المسرح.. حياة على خشبة

حين تفتح الستارة.. ينفتح أفق بعيد مشرع على فضاءات المدى.. يرسم الواقع ألواناً على منصة خشبية.. ولا يتوانى عن لعب كل الأدوار, عبر كل الحالات الشعورية.. في الفرح والحزن.. في الألم والأمل.. في تناقضات الأبيض والأسود.. الكوميديا والتراجيديا.. هكذا هي الحياة على خشبة المسرح أول الفنون ووالدها بلا منازع.. سيّد التعبير الذي يضمّ بين جناحيه كثيراً من الفنون الأخرى..

إعداد: آس غاله

أريد أن أعترف أنني لن أستطيع قول كل ما أريد عن المسرح, لأن المساحة لا تكفي, ولأن المسرح أعظم وأكبر من أن يحبس في صفحات مجلة.. لذلك سأكتفي بهذا السرد المختصر حول المسرح العربي, لأنني إن حاولت الدخول في عالم المسرح العالمي فسأتوه قبل أن أتجاوز خط البداية.. كيف لا وقد ترك عشرات المسرحيين العالميين تراثاً مسرحياً لا حدود لعظمته؟!.. ويكفي أن أذكر أسماء بعضهم ليدرك القارئ مشكلتي مع المساحة: موليير وفولتير وشكسبير وجورج برنارد شو وصموئيل بيكيت ولوركا..

متى عرف العرب المسرح؟

لا نستطيع أن نحدد كيف ومتى بدأ المسرح بالظهور, لأنه مثل كثير من الفنون كان نتيجة تطور الحياة وحاجات البشر, وهو لا يعدّ اختراعاً أو ابتكاراً, وإنّما هو تعبير عن مشاعر من يطوف في أرجاء عالمه..

لكننا -كما أسلفت- سنركّز على المسرح العربي الذي اختلف المستشرقون والباحثون حول نشأته وما إذا كان العرب قد عرفوا المسرح البشري, أي المسرح الذي يقوم فيه ممثلون بإعادة تمثيل واقعة أو حادثة حقيقية أو خيالية عن طريق الحوار والحركات والملابس الملائمة، واستحضار الماضي في الحاضر أمام المتفرجين.. فبرز رأي الباحث صموئيل موريه من خلال أبحاثه ودراساته عن المسرح العربي حيث حاول الإجابة عن هذا التساؤل في كتابه (المسرح البشري في البلاد العربية خلال القرون الوسطى)..

فهو يرفض رأي معظم الباحثين القائل إن العرب لم يعرفوا فن المسرح إلا متأخراً عن طريق احتكاكهم بالثقافة الأوربية، فهو يرى على العكس من ذلك, بأنهم عرفوا فن المسرح منذ الجاهلية، وقد أطلق عليه مصطلح “خيال”، وذلك قبل انتقال مسرح خيال الظل إلى البلدان الإسلامية بعدة قرون، كما عرفوا مسرحاً يقوم فيه الممثلون بعروض أمام الجمهور، وهذا المسرح العربي قد يختلف في شكله عن المسرح الأوربي، لكنه في جوهره نوع خاص من العروض المسرحية التي تعتمد في الأساس على الحوار والأزياء والحركة وغيرها من عناصر المسرح، بهدف إحياء الماضي في الحاضر.

وقد بدأ المسرح العربي بالظواهر الدرامية الشعبية التي ظل قسم منها مستمراً حتى نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، أما القسم الآخر فما زال يقدم حتى الآن مثل (فنون الرقص الغجرية التي يؤديها الكاولية وهم غجر العراق), (القراقوز أي الدمى المتحركة)، (خيال الظل), (السماحة)، (المقامات)، (السير الشعبية), (عاشوراء), التي كانت سبباً لظهور أشكال مسرحية مهمة أخرى مثل (الأخباري, أي الحوار الهزلي الساخر) و(السماح)، و(حفلات الذكر)، و(المولوية) في المشرق العربي.. و(مسرح البساط وهو مسرح احتفالي كرنفالي مفتوح)، و(صندوق العجائب)، و(المدّاح أو الحكواتي)، و(إسماعيل باشا, وهو نوع من مسرح الدمى) في المغرب العربي..

الحركة المسرحية العربية

انطلقت حركة المسرح العربي على يد اللبناني مارون النقاش (1817- 1855) الذي فتن بفن المسرح الغربي, فنقله إلى لبنان ليعرض عام 1848 مسرحية (البخيل) لموليير معرّبةً, وقد سمحت له السلطات العثمانية بعرض مسرحياته في صالة أعدّها لهذا الغرض, فقدّم مسرحيته الثانية (أبو الحسن المغفل) 1850, ثمّ (الحسود السليط) 1853 المقتبسة عن موليير, إلّا أنه ووجه بمعارضة المحافظين ورجال الدين, فحوّل مسرحه إلى كنيسة.

أمّا التأسيس الفعلي للمسرح العربي, فولد على يد رائد المسرح أبو خليل القبّاني المولود عام 1833 في دمشق, والذي قدّم عروضاً مسرحية وغنائية وتمثيليات عديدة منها (ناكر الجميل) و(هارون الرشيد) و(عايدة) و(الشاه محمود) و(أنس الجليس) وغيرها..

أعجب أبو خليل القباني في بداياته بالعروض التي كانت تقدم في مقاهي دمشق مثل الحكواتي ورقص السماح, وكان يتابع موسيقى ابن السفرجلاني وكذلك تلاقى القباني مع الفرق التمثيلية التي كانت تمثل وتقدم العروض الفنية في مدرسة العازرية في منطقة باب توما بدمشق القديمة.

وبعد عدد من العروض التي نالت استحسان الجمهور, ألّف القباني فرقته المسرحية عام 1879, وقدّم في سنواته الأولى حوالي 40 عرضاً مسرحياً وغنائياً, ومثل النقّاش واجه القباني رفضاً من بعض المحافظين, إلّا أنه استطاع الصمود والاستمرار, وسافر إلى مصر مع عدد من المسرحيين السوريين, وبعدها إلى عدد من البلدان الأخرى, وقدّم لاحقاً عروضاً مقتبسة عن الأدب العالمي, وقد تتلمذ على يديه كثير من عمالقة المسرح العربي, وتوفي عام 1903 في دمشق تاركاً ميراثاً عظيماً أسس لانطلاق المسرح العربي.

فيما بعد نشطت حركة الترجمة والتنوع في عالم المسرح فجاءت الترجمة على يد شبلي ملاط عبر مسرحية (الذخيرة) عن الفرنسية ومسرحية (شرف العواطف).. وأديب إسحاق, عبر مسرحية راسين (إندروماك).

بعدها برزت مرحلة بعث التاريخ الوطني العربي التي كتب خلالها نجيب الحداد مسرحية (حمدان) التي استمدها من حياة (عبد الرحمن الداخل).

وتمثّلت الواقعية الاجتماعية في كتابات جبران خليل جبران الذي كتب مسرحية (إرم ذات العماد).

وشهد الربع الأول من القرن العشرين ميلاد نهضة مسرحية واسعة في أغلب أقطار الوطن العربي في كل من (السودان 1902)، (تونس 1908)، (فلسطين 1917)، (البحرين 1919)، (الجزائر 1921)، (المغرب 1923)، (ليبيا 1925)، (الكويت 1938) و(قطر والأردن, بداية السبعينيات).

أشكال مسرحية

تنوّعت المواضيع التي تناولها المسرح, فصار المسرحيون يتخصصون في هذه الأنواع فيقدّمونها بأشكالها الجديدة.

ومن أبرز الأنواع المسرحية المسرح الغنائي الذي يتركز بشكل رئيس على عنصر الموسيقى والغناء, ويعدّه بعض الناس شكلاً جديداً محوّراً عن الأوبرا..

وهنا تقفز إلى الذهن صورة مسرح الرحابنة الذي جمع نخبة المبدعين اللبنانيين في فن الغناء ليقدّمهم عبر المسرحيات الغنائية الرائعة, التي نالت كل تقدير وإعجاب من الجمهور.

وفيما بعد تطور المسرح الغنائي, وتنوعت أشكال المسرح بصورة عامة, فبات هناك مسرح راقص تخصصت فيه عدّة فرق عربية برزت في المهرجانات المختلفة, ومازالت تحوز إعجاب الجمهور لما فيها من إبداع وإمتاع, أبرزها فرق كركلا وإنانا وأورنينا..

كما كثرت أشكال المسرح في العصر الحديث فباتت المسرحيات تقدم بقالب كوميدي أو تراجيدي ناقد لواقع مرّ عاشه العرب إبان الحروب المتعاقبة على هذه المنطقة, والتي حوّلت الإبداع الفني إلى صورة أخرى من صور التعبير عن الألم القومي الذي بات يوجع كل أديب وفنان رأى ما رأى من تدهور في الحياة السياسية العربية.. فتوشحت الكوميديا المسرحية العربية بالسواد حتى أطلق عليها (الكوميديا السوداء) فهي تضحك الشفاه لكنها تبكي القلوب!.. وربّما يستطيع من يتابع المسرح أن يفهم لماذا قال لينين (أعطني خبزاً ومسرحاً, أعطِك شعباً مثقفاً)..

مسرحيون عرب

كان من أبرز رواد المسرح العربي أبو خليل القبّاني, وسعد الله ونوس, ومحمد الماغوط وفرقة المسرح القومي ومسرح الشوك في سوريا, وفي لبنان سرق الرحابنة أضواء المسرح الغنائي.

أمّا في مصر فقد برز توفيق الحكيم ونجيب الريحاني وإسماعيل ياسين, وأنجب العراق جواد الأسدي..

وهناك مئات المسرحيين العرب المبدعين بين كتّاب ونقّاد وممثلين لا يتسع المجال هنا لذكرهم, لكن ما تجدر الإشارة إليه هو شدّة تعلّق المسرحيين بفنّهم, فحياتهم تصبح جزءاً من أعمالهم.. حتى وصل عشق المسرح بالمسرحي الكبير الراحل منصور الرحباني إلى أن أوصى بأن يصنع نعشه من خشب المسرح الذي عرضت عليه مسرحياته.. فهكذا يعيش المسرحي على خشبة مسرحه, ويرقد ملتحفاً دفئها..