المرئي واللامرئي والشفاء الذاتي

يموج الكون باهتزازات متنوعة تملأ الفضاء, وهي أمور أدركها أصحاب العلم والحكمة منذ أقدم العصور بوسائل خاصة ذاتية, ربما لم ترتفع إلى مدى الأدوات العلمية الدقيقة التي يستخدمها علماء العصر في هذا الوقت.. وكان الإنسان في الماضي قريباً من ذاته في كثير من أموره الحياتية، وهو أمر يتطلب منه أن يكون متفاعلاً مع محيطه العام بما يشتمل عليه من مكان، أو زمان، بشر، أو نبات وحيوان، وتقلبات مناخية تخص البيئة..

دانيال الشامي

لقد راقب الإنسان العاقل الأمور المحيطة به في سبيل حصد الخبرات والتغلب على المصاعب التي تقابله, ولم يكن يدرك أن الشمال الجغرافي يؤثر على نومه كقاعدة يطبقها بحذافيرها، لكنه من خلال التجربة ودقة الملاحظة، وجد أن نومه بطريقة خاصة متجهاً برأسه إلى الشمال الجغرافي وأقدامه تتجه نحو الجنوب يمنحه المزيد من الراحة والصحة، ويجعله ينهض من نومه في نشاط وحيوية عالية، ولعله جرّب النوم بالاتجاهات كلها قبل ذلك.

كهرومغناطيسية المكان

ما زلنا نردد مقولة أن أجدادنا على حق، رغم عدم وجود تلسكوب جاليليو، أو كاميرا كيريليان، أو أجهزة استقبال وإرسال للأمواج الاهتزازية التي تبثها الأشياء من حولهم.

ما يتوقعه المرء أن يكون إنسان الحاضر ممسكاً بالحقيقة، مدركاً بوعي تام ما يدور من حوله, وهي أمور تثري ما تجمّع لديه من معارف قديمة تؤكدها وتفسرها -بمنطقه المادي الحالي- أدواته التكنولوجية الفائقة التقدم والحساسية.

أدرك الإنسان الحالي أن كثيراً من الأمراض تتأتّى من البث الكهرومغناطيسي الذي يبثه المكان، فيؤثر على خلايا جسده وسير العمليات الحيوية في نظمه الخلوية الداخلية.

فما يبثه الجسد الحي من أمواج تتداخل وتتفاعل مع الأمواج التي تحيط به، سواء في نومه أو جلوسه، أو وقوفه..

فإذا تقاطعت الذبذبات الكهرومغناطيسية الصادرة عن المكان مع تيارات ذبذبات الجسد للنائم مسببة في ذلك حواجز تعرقل سير موجاته الخاصة، فإنها تسد منافذ الطاقة في الجسد، فيعاني من الخلل الوظيفي والنفسي.

وفي وضع السرير باتجاه الشمال الجغرافي توافق تام مع سريان تيارات الطاقة الأرضية والجسدية، بما يوفر الصحة والعافية للكائن الحي.

معرفة فطرية

في خضم تسارع الاكتشافات العلمية، يؤكد العلماء أن ما كانوا يرفضونه سابقاً لعدم تماشيه مع نظرياتهم القابلة للتعديل، أصبح واقعاً حقيقياً يشير إليهم بأصابع الشك.

المادية الخالصة ليست هي الجانب الوحيد لما نراه من أمور لها أوجه غير مرئية، وبالتالي فهي غير مادية، ومن ثم تحتاج إلى وسائل خاصة لا تحدد بالحواس المادية المحدودة القدرات.

كثير من تلك الأمور ساعد في التقاطها أجهزة اخترعها العقل البشري الممتلئ بالقدرات المخبوءة والمدى الأرحب.

لقد عرف الإنسان البدائي منذ أقدم العصور كيف يحمي نفسه من الحيوانات المتوحشة، وكيف يقص الأثر، ويميز الأماكن الصالحة من الأماكن المنفرة السيئة، وأدرك ما للشجرة من فائدة في الشفاء، وما للماء الحي من قوة علاجية، واستخدم الأحجار الكريمة في تعديل المزاج والصحة النفسية والجسدية، كل ذلك بوسائله الفطرية الخاصة، ومقاييسه الذاتية.

في العصر الحالي يستخدم الإنسان الأدوات الفائقة الحساسية كي يلتقط الذبذبات الصادرة عن الأجساد غير المرئية له، وهو ما كان يلتقطه الإنسان منذ أقدم العصور بواسطة ذبذباته الخاصة واستشعار الذبذبات المحيطة به.

فبعد أن أكد العلم أن لكل إنسان بصمة خاصة في إبهامه، وبصمة خاصة في أسنانه، وبصمة خاصة في الذبذبات الصوتية، وبصمة خاصة في إشعاعات العين, وفي الجين الوراثي الممتلئ بالأسرار.. السلسلة تتوالى، فالبصمات الخاصة تشمل كل شيء في داخل المخلوق بما يميزه عن الآخرين ويجعل منه فريداً في نوعه، فريداً في ذاته.. إنساناً يشبه نفسه ويتطابق في كل شيء معها فقط، رغم اشتراكه في الإنسانية مع بني البشر كافة!

إنه خليفة الله على الأرض، يمتلئ بالأسرار التي تؤهله للخلافة والسيادة في الأرض بالعدل والمحبة كما يحب الخالق جل وعلا.

إشعاع الكائنات

خلصت التجارب العلمية الحديثة إلى تأكيد وجود الإشعاع الذاتي للإنسان، ولكل ما يحتويه الكون من أشياء مادية بحالاتها كافة (الصلبة، السائلة، الغازية).

الأماكن تشع بأمواج تشير إلى ما تحتويه من أمواج سلبية أو إيجابية, وتدل كثرة الأمراض على مناطق رطبة أو تقع فوق شبكات المجاري، أو شبكات كهرومغناطيسية ضارة، مما يؤثر على الأشخاص الموجودين فيها بالمرض، وإضعاف الطاقة الحيوية لديهم..

الشجرة تبث إشعاعاتها الخاصة بها، والجسد المادي للكائن البشري يبث إشعاعاته الخاصة به في حالة المرض أو الصحة بحيث يدرك الطبيب الحاذق ما يعتريه من مرض بقياس خاص لإشعاعاته.

الذهن له إشعاعاته الخاصة بما يحتويه من أفكار ونوايا محملة بالمشاعر, إنها ذبذبات لها شيفرة رمزية تلتقطها الكاميرات الفائقة الحساسية كما تلتقط أجهزة الاستقبال البث التلفزيوني، أو أجهزة البلوتوث التي تلتقط الإشارات كافة في منطقة محددة.

كل هذا البث كان الإنسان يقوم به ذاتياً بواسطة قدراته الذاتية, عندما يركز تفكيره على الهدف، دعنا نسمِّه الإشارة، فإنه يعمل بإرادة وتصميم، بعد أن يوفر الصفاء التام والهدوء لعقله، وهي حالة تقابل عملية ضبط الموجة المستقبلة على تردد خاص لالتقاط ما حولها وفك رموزه.

تحيط الأمواج الصادرة عن الأجساد -بأشكالها كافة وطبيعتها الخاصة- بشكل تام بها، مؤثرة بذلك بما حولها، ومتأثرة في ذات الوقت بها.

وتُشكل الأمواج حقلاً بيولوجياً خاصاً بالجسد، له مدى يمتد إلى مسافات لا تتحدد بالحواجز المادية, ويتسع الحقل البيولوجي أو يضيق, تبعاً لطبيعة المادة الخاصة، وحالتها الداخلية، وتكاثف جزيئاتها, فما تطلقه الوردة من عبق فواح يمتد إلى مسافات طويلة يشير إلى قوة الموج الصادر من حقلها البيولوجي الخاص.

كما أن الإنسان السعيد يتسع حقله البيولوجي إلى مدى هائل يُعبر عن ذلك بقوله: (الدنيا لا تسعني من الفرح)، بعكس ذلك حالة الحزن التي تعمل على انكماش الحقل البيولوجي المحيط بالإنسان حتى يضيق عليه الفضاء رغم اتساعه، فيمتلئ بشعور الاختناق.

تأمّل..

الموضوع هو مرئيات مادية فيزيائية، ولا مرئيات موجودة في العالم المادي الفيزيائي.. وهو أمر لا تستطيع العين المحدودة القياس أن تلتقطه.

وفي اختصار شديد، فإن التأمل في العمق الإنساني بنظرة واعية تفتح مغاليق الكثير من المبهمات.. أنت مخلوق من مادة، تمتلئ بالحياة، وتشع فيك روح سامية، تتنفس الهواء الأثيري، وتأكل الطعام المادي الذي يشابه جبلة الجسد, فتمده بما يحتاجه من غذاء متحولاً إلى إمداد للعقل الذي يتعامل مع الفكر، ومع ذلك أنت لا ترى الروح، ولا ترى الفكر، ولا ترى المشاعر..!

تمتلك في أعماقك قدرات وملكات هائلة تجعلك مميزاً، وتؤهلك لخلافة الله جل وعلا في أرضه، وتكريمه لك في السيادة، وتنوء بالأمانة التي ارتضيتها وسوف تُسأل عنها.

إنها رحلة قصيرة تحمل في طياتها امتحانات عسيرة، تمتلئ بالعمل من أجل الفوز في الدنيا والآخرة، في سباق من أجل تطوير الذات والارتقاء بها كي تسمو وتتطهر، فتعيش في فوز وسعادة في الدنيا، وتنال الحظوة العالية في الدار الآخرة.