الليزر.. الحلّ الأمثل لمعضلات مستعصية

كنت أتابع أحد البرامج الوثائقية حول الكرة الأرضية وما يهدّدها من خطر اصطدام النيازك والكويكبات بها، فأذهلني أحد الحلول، وقد اقترحه عالم فيزيائي لحماية الكوكب الأزرق من دمار مُحتَّم إذا ما اصطدم به كويكب بحجم معين، منتقداً الحلول الهوليودية التي اقترحت تدمير الكويكب أو النيزك في الفضاء، لأنّ ذلك سيعني سقوط آلاف القطع النيزكية وسيضاعف الضرر.

إعداد: آس غاله

أمّا هو (العالم الفيزيائي) فاقترح حلّاً عملياً وأكثر منطقية، وهو تغيير مسار الكويكب المتّجه نحو الأرض، ليبتعد عن مجال جاذبيتها ويأخذ مساراً آخر يكفينا شرّ اصطدامه بنا، وهذا الأمر يتمّ بواسطة تسليط شعاع ليزري يعمل على إذابة جزء من سطح الكويكب، ويدفعه بقوّته الناعمة باتجاه آخر دون أن يدمّره، فينقذ بذلك كرتنا الزرقاء الخلّابة.

بالتأكيد إنّ هذه العملية تخضع إلى كثير من الاختبارات والتجارب، ونأمل ألّا نضطر إلى تجربتها على أرض الواقع، وهي ليست بيت القصيد في مقالي هذا، وإنّما مقالي حول الليزر نفسه كإشعاع استطاع أن يكون من أهمّ التقنيات الحديثة التي دخلت مختلف جوانب الحياة، وحلّت الكثير من المشكلات التي تواجه البشر، وساهمت في تقدّم اختراعات أخرى وتطوير استخداماتها.

ما هو الليزر؟

هو إشعاع كهرومغناطيسي تكون فوتوناته متساوية في التردّد ومتتطابقة الطور الموجي، حيث تتداخل تداخلاً بناء بين موجاتها لتتحوّل إلى نبضة ضوئية ذات طاقة عالية وشديدة التماسك زمانياً ومكانياً، ذات زاوية انفراج صغيرة جداً وهو مالم يمكن تحقيقه باستخدام تقنيات أخرى غير تحفيز الإشعاع.

وبسبب طاقتها العالية وزاوية انفراجها الصغيرة جداً، تستخدم أشعة الليزر في عدة مجالات أهمها القياس كقياس المسافات الصغيرة جداً أو الكبيرة جداً بدقة عالية، كما تستخدم هذه الأشعة كذلك في إنتاج الحرارة لعمليات القطع الصناعي، وفي العمليات الجراحية الدقيقة، وكذلك في الأجهزة الإلكترونية لتشغيل الأقراص الضوئية.

أمّا كلمة (laser) فهي اختصار لعبارة: (Light Amplification by Stimulated Emission Of Radiation).

ومثل كثير من الاكتشافات والاختراعات التي شهدها القرن العشرون، يعود الفضل في وضع الأسس النظرية الأولى التي يقوم عليها عمل الليزر، إلى العالم الفيزيائي الألماني ألبرت أنيشتاين، وذلك من خلال أبحاثه حول الظاهرة الكهروضوئية، التي لاحظ العلماء فيها أنّ عند تسليط إشعاع كهرومغناطيسي ضوئي على سطح معدني فإنّ الإلكترونات تنبعث من هذا السطح فقط إذا تجاوز تردّد الضوء قيمة حدّية معينة، أمّا إذا كان تردّد الضوء أقلّ من ذلك فإنّ الإلكترونات لا تنبعث أبداً مهما بلغت شدّة الضوء المسلّط. وبقيت هذه الظاهرة لغزاً يحيّر العلماء إلى أن تمكّن أنيشتاين في عام 1905 من حلّه بعد أن أثبت أنّ الضوءَ ذو طبيعة موجية وجسيمية، وذلك على العكس من الاعتقاد السائد حينئذ وهو أنّ الضوء ذو طبيعة موجية فقط. وقد أثبت أنيشتاين أن الضوء وبقية أنواع الإشعاعات الكهرومغناطيسية ليست سيلاً متصلاً من الطاقة، وإنّما تتكوّن من وحدات صغيرة يحمل كل منها كمية محدّدة من الطاقة أطلق عليها اسم الفوتونات.

ومع الاستمرار في أبحاثه حول الفوتونات والذرّة وإلكتروناتها، وبعد العديد من الاكتشافات المتعلّقة بهذا العلم، قام أنيشتاين بدراسة التفاعلات بين الإشعاعات الكهرومغناطيسية وذرات المادة وتمكّن من وضع المعادلات التي تحكم هذه التفاعلات والتي سميت فيما بعد باسمه، وقد تنبأ من خلال هذه المعادلات بوجود ما يسمى بظاهرة (الإشعاع المستحثّ) التي تعدّ الأساس الذي يقوم عليه عمل الليزر.

علماء مجدّون

كان (الإشعاع المستحثّ) كنزاً بالنسبة لعلماء الفيزياء الذين لم يملّوا من محاولات إثبات وجود هذه الظاهرة على أرض الواقع للاستفادة منها بشكل عملي، فتوالت اكتشافاتهم ونظرياتهم، منطلقين من نتائج التجارب التي توصّل إليها من سبقهم من علماء الفيزياء، حتّى تمكّن الفيزيائي الأمريكي ثيودور ميمان في عام 1960م، من تصنيع أول ليزر في نطاق الضوء المرئي، وهو يتكون من قضيب أسطواني من الياقوت النقي تمّ صقل جانبيه بدقة عالية، كما تمّ لفّ قضيب الياقوت بمصباح كهربائي مكوّن من أنبوب زجاجي مملوء بغاز الزنون. وعند تشغيل المصباح الكهربائي عمل الضوء الصادر عنه على إثارة ذرات الكروميوم الموجودة في الياقوت فقامت بإطلاق إشعاع ضوء أحمر صافٍ خرج على شكل نبضات من أحد جانبي قضيب الياقوت.

بعد ذلك تمكّن الفيزيائيان الإيراني علي جافان، والأمريكي وليم بنت، من تصنيع ليزر باستخدام غازي الهيليوم والنيون، وكان يعطي إشعاعاً مستمراً وليس نبضياً كما هي الحال في ليزر الياقوت.

وفي عام 1962م استطاع المهندس الأمريكي روبرت هول تصنيع ليزر أشباه الموصلات الذي يتميز بصغر حجمه. وفي عام 1964م تم تصنيع ليزر ثاني أكسيد الكربون الذي يتميز بقدرة إشعاعه العالية.

الليزر في الطبّ

مئات المعضلات الطبية والفيزيائية والصناعية استطاع الليزر أن يكون الحلّ الأمثل لها، كما استطاع أن يصبح بديلاً لحلول قديمة أقلّ فاعلية.

حيث يستخدم اللّيزر في مجالات متعدّدة، منها الأقراص المدمجة، وصناعة الإلكترونيات، وفي الاتصالات، وكذلك في قياس المسافات بدقة، ولاسيّما أبعاد الأجسام الفضائية، حيث استخدم الليزر في السبعينيات لقياس المسافة بين الأرض والقمر.

كما تستخدم أشعة الليزر في معالجة بعض أمراض العيون، حيث يتمّ تسليط أشعة ليزر عالية الطاقة على شكل ومضات في نقطة معينة في العين لزمن قصير (أقلّ من ثانية)، ومن أمراض العيون التي يستخدم فيها الليزر اعتلال الشبكية السكري، وثقوب الشبكية، وانسداد أو تخثّر الوريد الشبكي، والزرق أو ارتفاع ضغط العين، وعيوب الانكسار الضوئي في العين (طول أو قصر النظر واللابؤرية) وانسداد القنوات الدمعية، وبعض الأورام داخل العين، وعمليات التجميل حول العين، إضافة إلى حالات اندثار البقعة الصفراء..

كما يستخدم الليزر في علاج كثير من المشاكل الجلديّة، وفي طبّ الأسنان، وقد دخل كذلك في الجراحات الدقيقة مثل جراحة الدماغ والقلب والأوعية الدموية، واستخدم كبديل للخيوط الطبية، حيث يتمّ لحم الجروح بواسطة الليزر، الأمر الذي يجعله فعالاً في عمليات التجميل أيضاً.

والليزر في الصناعة والحرب

أمّا في الصناعة فلليزر استخدامات كثيرة، منها على سبيل المثال قطع ألواح الصلب، ولحام المواد الصلبة والنشطة، والمواد التي تتمتع بدرجة انصهار عالية مع امتيازها بدقة التصنيع بسبب إطلاقها لحزمة كثيفة ضيقة مركزة، كما تستطيع أشعة الليزر فتح ثقب قطره 5 ميكرومتر خلال 200 ميكروثانية في أشدّ المواد صلابة كالماس والياقوت الأحمر والتيتانيوم، وبفضل قصر مدة التصنيع لا يحدث أي تغير في طبيعة المادة.

أمّا في المجال العسكري، فقد أصبح الليزر أبرز التقنيات الفاعلة في هذا المجال، حيث إنّ لأشعّة الليزر القدرة على تدمير الأهداف المعادية الثابتة والمتحركة، وذلك بملاحقتها بشعاع ليزر مستمر أو نبضي. إذ تكفي طلقة مدفع ليزري واحدة لها استطاعة أقلّ من واط واحد، لكي تشعل جنديّاً يبعد أكثر من خمسة كيلومترات.

والطاقة اللازمة لسلق بيضة دجاج واحدة، تكفي لنسف دبابة كتلتها ستين طناً، إذا أصدرت بشكل ليزري، كما أنّ الأشعة الليزرية تستخدم في تدمير الصواريخ العابرة للقارات والمحمّلة بالرؤوس النووية.

ويستخدم شعاع الليزر كذلك في مجال التسديد الدقيق في البنادق والمدافع وتوجيه الطائرات عند الإقلاع والهبوط، وفي ضربها للأهداف المعادية الحصينة.

إضافة إلى ذلك، يستخدم الشعاع في كشف الأهداف البحرية، والألغام، وتوجيه الطوربيدات وغيرها..

أمّا أكثر استخدامات الليزر أهمية، فهو استخدامه في الاندماج النووي، لتوليد طاقة هائلة، تعدّ من أقوى مصادر الطاقة.

وبالعودة إلى المقدّمة، فإنّ الليزر الذي لم نذكر سوى جزء يسير من استخداماته، قد يكون في نهاية المطاف الحلّ الأمثل لإنقاذ كوكب الأرض من الزوّار غير المرحّب بهم القادمين من الفضاء الخارجي.

ورغم كلّ ما سبق من فوائد لا تحصى لاستخدامات الليزر، علينا أن نتذكّر أنّ هذه الأشعّة تشبه إلى حدّ كبير سكّين المطبخ، إذا ما وضعت في يدِ قاتل، فإنّها ستتحوّل إلى سلاح فتّاك.