العلامة التجارية.. رمز وثقافة وانتماء

يبحث كلّ منّا عن هويّة أو انتماء، وبالتأكيد لكلّ منا العديد من الانتماءات، تكون أحياناً مهمّة وهي ما تعطينا شخصيتنا الحقيقية أمام الناس، وتؤطّرنا ضمن مجموعة معينة منهم، كالانتماء الوطني أو الإثني أو العقائدي، وقد تكون انتماءات سطحية وعامة، غير أنّها تستطيع في الوقت ذاته تأطيرنا ومنح الآخرين فكرة ما عن طباعنا أو اهتماماتنا أو تفكيرنا أو حتّى عن أوضاعنا المادية!

إعداد: آس غاله

هذه الانتماءات البسيطة غالباً ما تتمثل في تشجيعنا لفريق كرة قدم معيّن، أو قراءتنا لكاتب ما، أو شرائنا لصحيفة محدّدة، أو سماعنا لنوع محدّد من الموسيقى، أو شرائنا لمنتجات ماركة تجارية بحدّ ذاتها.

وفي موضوع الماركة تحديداً قد تتعدّى المسألة في بعض الأحيان مجرّد الرغبة والميل، لتصل إلى إخلاص منقطع النظير، كأن يقول أحدهم: “أنا لا أستخدم أيّ عطر سوى من (غوتشي)”.. أو “أنا لا أرتدي سوى ملابس أرماني”.. وقس على ذلك.

فما السرّ في قوّة العلامة التجارية؟.. وكيف تحوّلت من رمز إلى انتماء؟!

ما هي العلامة التجارية؟

العلامة التجارية هي اسم مرتبط بمنتَج أو بمنتِج، لتمييزه عن غيره من المنتجات الخاصة بشركات أخرى، من الصنف ذاته، وتأخذ العلامة التجارية عادة أشكالاً مختلفة، فقد تكون كلمة، أو رمزاً أو شعاراً، أو صورة، أو بعض هذه العناصر مجتمعة، وقد تأخذ شكلاً غير تقليديّ كلون أو رائحة أو حتّى صوت كما هي الحال في نغمة هواتف نوكيا مثلاً.

لمحة تاريخية

برزت العلامة التجارية في وسائل الإعلام خلال القرن التاسع عشر، مع ظهور السلع المعلبة، ومع تطوّر الثورة الصناعية التي أنتجت الكثير من المؤسسات وشركات الإنتاج الصناعي والاستهلاكي، حيث أصبحت الحاجة لتمييز منتجاتها ضرورة ملحّة، فأخذت كلّ مؤسّسة تمنح نفسها رمزاً يميّزها، ولاسيّما بعد توسّع الأسواق وتطوّر حركة الاستيراد والتصدير، فاحتاج المنتجون المحليّون إلى كسب ثقة المتعاملين والمستهلكين، فكانت من أوائل المنتجات التي تمّ وضعها تحت اسم (علامة تجارية): حساء كامبل، وكوكا كولا، وعلكة عصير الفاكهة، والعمة جميمة، وشوفان كويكر، إضافة إلى أرزّ أنكل بينز.

وما لبثت العلامات التجارية أن أخذت شهرة على شاشات التلفزيون وعبر البثّ الإذاعي من خلال الأغاني والأناشيد التي دخلت في الإعلان عنها.

وبحلول عام 1940 بدأ المصنّعون يجرون دراسات دقيقة، ليتعرّفوا على الطريقة التي يطوّر فيها المستهلكون علاقاتهم مع علاماتهم التجارية بمختلف المعاني الاجتماعية والنفسية والإنثروبولوجية، فاستطاعوا من هذا المنطلق بناء هوية وشخصية العلامة التجارية، التي تترك تأثيراً قويّاً لدى المستهلك فيقدم على شراء العلامة بحدّ ذاتها.

وقد تطوّر مفهوم العلامة التجارية كثيراً خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين، ولم يعد الأمر مرتبطاً بالمنتج بقدر ما هو مرتبط بالاسم نفسه، فعلى سبيل المثال اشترت شركة فيليب موريس عام 1988 شركة كرافت بما يتجاوز ستة أضعاف سعرها الحقيقي، لمجرّد أنّها تحمل هذا الاسم!

اسم الماركة

يرتبط اسم الماركة مع العلامة التجارية، وقد يعدّ الاسم بحدّ ذاته علامة تجارية، إذا كان اسم الماركة يحدّد بشكل حصري مالك الماركة كمصدر تجاري للمنتج أو الخدمة.

ويستطيع صاحب العلامة التجارية حماية اسم الماركة وفق قوانين حماية حقوق الملكية، من خلال تسجيل العلامة التجارية.

وتقع الأسماء التجارية في واحد من ثلاثة أشكال للاستخدام، هي:

– الأسماء التجارية الوصفية، التي تساعد في وصف نقطة أو نقاط البيع المميزة من المنتج إلى المتعامل.

– الأسماء التجارية المترابطة، وهي تزوّد المستهلك بكلمة تربط بما يفعله أو يقدّمه المنتج.

– الأسماء التجارية القائمة بحدّ ذاتها، وهي أسماء لا ترتبط بالوصف أو الاستخدام.

وقد أصبحت المنتجات تمتلك نوعاً من الهويّة المميزة، وقاعدة معيّنة من الجمهور أو المستهلكين الراغبين بها لمواصفاتها، وقد يلجأ مستهلك ما إلى تجريب المنتج أولاً لمعرفة ما إذا كان يتناسب مع رغباته أم لا، وهذا ما يدعى بالجانب التجريبي للعلامة التجارية، بينما يقوم مستهلك آخر بشراء المنتج لمجرّد كونه يحمل هذا الاسم، وهذا يدعى الجانب النفسي للعلامة التجارية، وذلك نظراً لوجود فكرة مسبقة لديه بأن هذا الاسم جدير بالشراء، لأنّه على درجة عالية من الجودة، ليس لأنّه جرّبه سابقاً، وإنّما لأنّ هذا ما سمعه من الآخرين، وعرفه من الإعلانات والأحاديث العامة بين الناس.

إمبراطورية الاسم

هل يمكن أن يتحوّل اسم الماركة التجارية إلى إمبراطورية؟!.. قد يصعب تصديق ذلك، ولكنّه حدث على أرض الواقع، في كثير من الماركات العالمية التي تجاوز عمرها قرناً من الزمن، وانتشرت في مختلف بقاع الأرض، في مختلف مجالات الاستهلاك الضروري والترفيهي، مثل (نسله، كوكا كولا، مارلبورو، كريستيان ديور، فورد.. وغيرها).

وعلى سبيل المثال استطاعت فتاة حالمة عاشت في باريس أوائل القرن العشرين، أن تخلّد اسمها وتشهره على مستوى العالم كلّه، عندما بدأت عملها في مجال الموضا والأزياء في متجر صغير في باريس.

إنّها اليوم الاسم الأشهر في عالم الموضا (كوكو شانيل)، التي أطلقت أول أزيائها عام 1909، واشتهرت بالبساطة في الأناقة، ليصبح اسمها معروفاً في أنحاء فرنسا كافة خلال وقائع الحرب العالمية الأولى، بعد أن لاءمت أزياءها مع ظروف الحرب التي استدعت أنواعاً معينة من الملابس.

وما لبثت أن طوّرت اهتماماتها بالأزياء والجلديّات والمنتجات الترفيهية، لتنتج أوّل عطر يحمل اسمها عام 1921 تحت اسم (شانيل5)، واستمرّت في العمل لتحدث ثورة في عالم الأزياء، وتتحول إلى إمبراطورية واسعة الانتشار، وتمتلك الاسم الأقوى عالمياً بين بيوت الأزياء، على الرغم من المنافسة القويّة التي واجهتها من بيوت أزياء أخرى، كان على رأسها (كريستيان ديور).

واليوم، يعمد العديد من مشاهير العالم ولاسيّما ممثلو هوليوود إلى استغلال أسمائهم في الترويج لمنتجات معينة، ليكسبوا من ورائها ربحاً خيالياً، ومعظم هذه المنتجات تكون كذلك في مجال الأزياء والمجوهرات والعطور، فاستطاعت جينيفر لوبيز إنتاج خطّ متكامل من منتجات اسمها، امتلكت شهرة واسعة، وصارت النساء تقتنيها لمجرّد كونها تحمل هذا الاسم.

الأمر ذاته فعلته باريس هيلتون، حفيدة ووريثة مؤسس سلسة فنادق هيلتون الشهيرة، حيث تنال الأزياء والعطور التي تحمل اسمها شهرة واسعة بين النساء.

أمّا مغني الراب والممثل الأمريكي (إل.إل.كول.جي)، فقد أنتج خطّ أزياء متكاملاً، للصغار والكبار، ذكوراً وإناثاً، مستخدماً جميع أفراد أسرته للترويج لأزيائه!

هذا الأمر ينطبق على كلّ المنتجات الاستهلاكية والترفيهية التي نحتاجها في حياتنا اليومية، من ملح الطعام إلى زجاجات الماء والعصير، مروراً بمنتجات التنظيف والمفروشات وألعاب الأطفال، وصولاً إلى السيارات وما هو أهمّ وأكثر منها تكلفة.

لقد تحوّلت العلامة أو الاسم التجاري إلى ما هو أبعد من مجرّد رمز أو دلالة إلى خطّ إنتاجي معيّن، فقد أصبحت ثقافة عامة ودليلاً على انتماء آخر يضاف إلى سلسلة انتماءاتنا.