الطباعة.. هكذا ولدت

وأنتم تتصفحون هذه المجلة، وأثناء قراءة هذه المقالات الجميلة والمميزة، والمطبوعة بطريقة عصرية وجميلة، أو أثناء كتابة مذكراتكم والأحداث الجميلة والحزينة التي حصلت معكم، أو أثناء تجمع أبنائكم وأحفادكم حولكم لتقرؤوا لهم قصة ما قبل النوم.. وما تشاهدونه وتقرؤونه من مطبوعات وصحف يومية ومجلات.. أثناء ذلك كله.. لكم أن تتصورا كم هو الأثر الكبير الذي أحدثته الطباعة وآلاتها وأدواتها في حياتنا بشكل عام، على المستوى التعليمي، والحكومي، والإعلامي والإعلاني، وعلى مستوى التداولات المالية والأعمال التجارية، وغيرها من المستويات والأعمال التي نواجهها في حياتنا اليومية..

إعداد: ياسر السيد عمر

ففي كل يوم نطالع الصحف اليومية، والكتب الدراسية والقصص الترفيهية والفكاهية، وندون الملاحظات على المفكرات والتقاويم الشهرية والأسبوعية، ونستخدم الأوراق النقدية، ونرسل الرسائل والكتابات والتقارير.

البداية في الصين

أما عن بداية الطباعة فتقول الروايات إن الصينيين هم أول من استحدثوا فن الطباعة بالشكل الحديث والمعروف الآن، إذ قاموا بتصنيع قوالب من الخشب، محفور عليه عدداً من الأشكال والرسومات، وكانوا يملؤونها بالألوان والأحبار، ثم يضغطونها على الورق الذي صنعوه أيضاً، وفي عام 1045م قاموا بتصنيع حرف مستقل لكل رمز من رموز اللغة، إلا أن تلك الفكرة لم تكن عملية ولم تلاق قبولاً لدى عامة الصينيين نظراً إلى كثرة الرموز المستخدمة في لغتهم.

أما أوروبا فلم تعرف أدوات الطباعة قبل عصور الظلام التي مرت بها، والمعروفة بالعصور الوسطى، إذ أن اهتمامها بالعلوم وأدواته بدأ بعد ذلك الوقت، فيما كانوا يستخدمون الكتابة والنسخ اليدوي قبل ذلك، إذ كانوا ينسخون الكتب بالرِّيَش والأقلام التي يبرونها من سيقان النباتات، أما بعد انتشار تداول المعرفة، فلم تعد الكتابة اليدوية تفي بالغرض، وظهرت الحاجة إلى تسريع عملية الطباعة، من خلال الأدوات والآلات الحديثة التي سبقهم إليها المسلمون.

وقد بدأت سلسلة التطور مع الألماني جوهانس جوتنبرغ، عندما تمكن مع مجموعة من رفاقه في عام 1440م من تجميع كافة حروف الطباعة الخشبية في آلة طباعة خشبية واحدة، وتلاه نبيل إنجليزي في عام 1800م، إذ استطاع تحويل الآلة الخشبية إلى آلة من الحديد، وبعد عشرة أعوام فقط تمكّن الألماني فريدريك كويننج من اختراع آلة طباعة أسطوانية تعمل بالبخار، وتنتج 1100 صفحة في الساعة، مما زاد من كفاءة الطباعة وسرعتها.

وفي عام 1846م استطاع الأمريكي ريتشارد هيو ترك بصمة واضحة في عالم الطباعة، وذلك بعد اختراعه لآلة جديدة استطاعت طباعة 8000 صفحة في الساعة، وكانت عبارة عن أسطوانة دوارة تم توصيل حروف الطباعة بها.

أما آلة طباعة الصحف المعروفة، والتي يتم ربطها مع بكرات من الورق، فقد اخترعها وليام بلوك في عام 1863م، وطورها ريتشارد مارش في عام 1871م، لتصبح منتجة لـ 18 ألف صفحة في الساعة، وهذا يدلنا على التطور السريع لآلات الطباعة، والذي كان سببه انتشار العلوم وحاجة نقلها بسرعة كبيرة من مكان إلى آخر، وذلك قبل انتشار أدوات الاتصال المعروفة في يومنا هذا.

ثم توالت الاختراعات والتطورات، وكان من أهمها اختراع تولبرت لانستون والذي كان عبارة عن آلة لجمع الحروف المستقلة، تتألف من وحدتين رئيستين، هما: وحدة لوحة المفاتيح، ووحدة صب الحروف، واختراع الأمريكيين ماكس ولويس ليفي, والذي كان عبارة عن شاشة التلوين النصفي، ومنهما انطلق التطور الكبير في آلات الطباعة.

وفي حوالي عام 1905م اكتشف صانع ورق وطبّاع أمريكي يُدعى آيرا روبل، بمحض الصدفة، الطباعة بطريقة الأوفست, ففي أثناء عمله، نقل عن غير قصد الأشكال المحبرة من سطح لوح الطباعة المستوية إلى الغطاء المطاطي لأسطوانة الضغط الطباعي بدلاً من نقلها على الورق, وعندما تحرك الورق تحت الأسطوانة طُبع الشكل العالق بالغشاء المطاطي على الورق، ولاحظ روبل الوضوح غير العادي للشكل المنقول على الورق، وأعقب ذلك تحسينات على طباعة الأوفست وما لبث هذا النمط الطباعي أن عم وانتشر.

ومنذ الثلاثينيات من القرن العشرين أجري من التحسينات على الطباعة ما لم يتم في كل السنين، إذ تم اختراع الحاسوب، والذي ساهم بشكل كبير جداً في تطور الطباعة وزيادة سرعتها، وزيادة جمالية المطبوعات، والقدرة الأكبر على تشكيل الصفحة وإضافة الألوان والأشكال المختلفة عليها.

وتقسم آلات الطباعة إلى ثلاثة أنواع، لا تكاد آلة تخرج عنها، وهي:

  1. الآلة المسطحة

وهي أبسطهم، وتعتمد في عملها على التقاء سطحين مستويين، بحيث يكون الأول عبارة عن الشكل المراد طبعه محملا بالأحبار، والثاني المادة المراد الطباعة عليها، وعند تقابل السطحين، وعن طريق الضغط بينهما تتم الطباعة.

  1. الآلة الأسطوانية

وهي أكبر من الآلة المسطحة، وتُستخدم في طباعة الكتب والمطبوعات متعددة الصفحات, وتتكون من سطحين: الأول مستوٍ، وهو المحتوي على الشكل المراد طباعته، والآخر أسطواني، وتلتف حوله المادة المراد الطباعة عليها، وغالباً تكون الورق، وتتم عملية الطباعة بتحريك السطح الأسطواني المحتوي على الورق على السطح المستوي المحتوي على الشكل المراد طباعته.

  1. الآلة الدوارة

وتتميز بحجمها الكبير، وسرعتها الفائقة، وتستخدم لجميع أنواع الطباعة، وتحوي أسطوانتين متقابلتين, إحداهما حاملة للأحبار، والأخرى حاملة لبكرات الورق، وتُستخدم هذه الآلة في طباعة المجلات، والصحف، والكتب، ومطبوعات التغليف.

أما الطباعة فتقسم إلى ثلاثة أنواع أساسية:

  1. الطباعة البارزة

وهي أقدم أنواع الطباعة، حيث استخدمها الصينيون في غابر الزمان، وتعتمد على تحبير الحروف أو الأشكال البارزة المصنوعة من المعدن، أو النايلون، أو غيرها من المواد، ومن ثم ضغطها على الورق.

  1. الطباعة الغائرة

وهي على عكس الطباعة البارزة، وهنا تستخدم أسطوانة نحاسية محفور عليها النص، أو الصور، أو الأشكال المراد طباعتها بحفار ميكانيكي أو بأشعة الليزر, وتُملأ التجاويف الممثلة للكلام أو الأشكال بحبر الطباعة، ثم يضغط بهذه الأسطوانة على الورق فتطبع الحروف والأشكال.

  1. الطباعة المستوية

وهي قائمة على حقيقة عدم امتزاج المواد الدهنية بالماء، وقد اكتشفها كاتب ألماني يُدعى ألُويْ سينفلدر عام 1798م، حين كان يحاول طبع أعماله، فقد قام بالرسم على حجر, مُستعملاً قلماً من مادة دهنية، ثم بلّل السطح بالماء في الأجزاء غير المرسومة، بعد ذلك قام بتحبير الحجر بحبر دهني، فلاحظ أن الحبر يبقى فقط على الشكل المرسوم, بعد ذلك أتى بورقة وضغطها على الحجر فانتقل الشكل المرسوم إلى الورق، ثم تطورت بعد ذلك هذه الطريقة من طباعة مباشرة من اللوح المعدني إلى طباعة غير مباشرة باستخدام وسيط مطاطي، وهو ما يطلق عليه طباعة الأوفست، حيث سهلت هذه الطريقة الطبع على مختلف الوسائط التي لا يمكن الطباعة عليها مباشرة مثل اللدائن والمعادن.

وما زالت الطباعة في تقدم مستمر، والعلماء يسعون بكل طاقتهم لتقديم كل ما يسهم في تطور هذا العلم، لما له من دور كبير في بث أنواع العلوم ونشرها بين الناس، إضافة إلى أنك لا تكاد تجد إنسانا أياً كان مستواه العلمي أو الاجتماعي إلا ويحتاج إلى هذا العلم أو هذه الصناعة إن جاز التعبير.