الصحيفة.. قهوة الصباح وحكاية السهر

ها أنا مرة جديدة بين كلمات من المفروض أن تكون منمّقة, مصفوفة بشكل يضفي حالة من الشجن على من يقرؤها, ها أنا بين سطور وصفحات ألفت الكثير من الحكايات والقصص والأخبار التي كانت ولازالت عنوان قدوم الصباح, تصول وتجول في فكري ألف فكرة وفكرة, أغمضت جفوني المتعبة ولكني لم أستطع, أبت إلّا أن تبقى مفتوحة..

إعداد: محي الدين إسماعيل

عزيزي القارئ ما سأكتبه ليس بمثابة عودة للماضي وأسف على الحاضر المؤلم, ولكنه بيان لما حل بصاحبة الجلالة, صاحبة الحصن المنيع الذي تهدم, والقصر الشاهق الذي دمّر, ذاك البلاط الذي فقد قداسته فاندس فيه كثير من المرتزقة أصحاب البخت الضائع في سوق العمل مما أساء لها ولمقامها العالي, فآخر ما أطلق عليها من أسماء العظمة أنها “مهنة من لا مهنة له”, ترنو إلى هذا البلاط تجد فيه الوصوليين المتملقين, تجد من يضحك بدهاء فظيع, كلامٌ معسولٌ في كل مكان, ما هو إلا دسٌّ لبعض السم, ولكن لا يخلو العرش من بطانة لمبدعين يحيطون بهذه الملكة, فهم الأسس والدعامات التي تقاوم ما يعصف بهذا العرش المقدس.

لن أتحدث عن الصحافة بمفهومها الشامل وما تجمعه من وسائل إعلامية متنوعة, ولكن ما أود الإشارة إليه أنه في فترة ليست ببعيدة كان مفهوم الصحافة مقروناً بالصحيفة, وهذا ما ستلحظه عزيزي من خلال سردي وإياك لمسيرة تطور الصحيفة خلال التاريخ, فكانت لسان حال المجتمع.

التوثيق في الماضي

تفصلنا قرابة ثلاثين ألف سنة ونيف عن الإنسان البدائي المبدع الذي ابتكر أعظم نظام للتوثيق التاريخي ألا وهو رسومات الكهوف, تلك الرسومات التي تفنن بها عبر مسيرته الطويلة, لنصل بعدها إلى الرسومات الجدارية لقدماء المصريين.

وبعد قفزة صغيرة في صفحات التاريخ نجد أقدم النماذج الكتابية لدى السومريين والذين استوطنوا الهلال الخصيب منذ قرابة 5500 سنة, فكان نظام كتابتهم الذي نطلق عليه الكتابة السومرية قدم لنا فكرة واضحة عن الطريقة التي تطور من خلالها رسم الصور البسيطة إلى لغة مكتوبة, وعن ماهية التأثير الذي نجم عن استعمال ألواح من الصلصال الرطب, ثم شيها لتصبح صلبة, ما حفظها إلى يومنا هذا لنكتشف ملامح مجتمع مزدهر عرف معنى الاستقرار.

واسمحوا لي أن أعتبر ذلك هو بداية مرحلة التوثيق التي تعد مهمة أساسية من مهام الصحيفة في وقتنا الحالي.. فقد كانت أول جريدة في التاريخ أشبة بالخطابات وتحتوي على الأخبار, وتعتبر أول صحيفة تمت طباعتها صدرت في الصين منذ 1300 سنة وكانت حينها الحكومة تطبع ورقاً اسمه (تي شينج باو) ويعني (أخبار العاصمة) فهكذا كانت الحكومة قادرة على أن تبلغ الناس بآخر التطورات, وصدرت أول صحيفة رومانية عام 60 ق.م حيث قام بها يوليوس قيصر الذي أنشأ ما يشبه صحفنا, وكانت مخصصة بشكل رئيسي لبيانات الحكومة وسميت (Acta Diurna) أي الأحداث اليومية. (1)

تاريخ الصحافة

يرجع تاريخ الصحافة إلى زمن البابليين, حيث استخدموا كاتباً لتسجيل أهم الأحداث اليومية لتعرف الناس بها, أما في روما فقد كانت القوانين وقرارات مجلس الشيوخ والعقود والأحكام القضائية والأحداث ذات الأهمية التي تحدث فوق أراضي الإمبراطورية تسجل لتصل إلى الشعب ليطلع عليها.

أصيبت هذه الفعالية بعد سقوط روما، وتوقفت حتى القرن الخامس عشر، وفي أوائل القرن السادس عشر وبعد اختراع الطباعة من قبل غوتنبرغ في مدينة ماينز بألمانيا ولدت صناعة الأخبار والتي كانت تضم معلومات عن ما يدور في الأوساط الرسمية, وكان هناك مجال حتى للإعلانات.

في حوالي عام 1465م, بدأ توزيع أولى الصحف المطبوعة وعندما أصبحت تلك الأخبار تطبع بصفة دورية، أمكن عندها التحدث عن الصحف بمعناها الحقيقي وكان ذلك في بدايات القرن السادس عشر.

وفي القرنين السابع عشر والثامن عشر أخذت الصحافة الدورية بالانتشار في أوروبا وأمريكا, وأصبح هناك من يمتهن الصحافة كمهنة يرتزق منها, وقد كانت الثورة الفرنسية حافزاً لظهور الصحافة الحديثة، كما كانت لندن مهداً لذلك في عام 1702, فقد ظهرت في لندن صحيفة الخبر أولى الصحف اليومية في العالم, أما صحيفة التايمز Times فقد أسست في عام 1788، وفي عام 1805 ظهرت صحيفة الكوريية Courier، وفي عام 1814 استخدمت آلات الطباعة البخارية لطباعة صحيفة التايمز اللندنية.

الصحافة العربية

بدأت الصحافة العربية منذ العقد الثاني من القرن التاسع عشر، حينما أصدر الوالي داوود باشا أول جريدة عربية في بغداد اسمها جورنال عراق، باللغتين العربية والتركية، وذلك عام 1816، بعدها ومع حملة نابليون بونابرت على مصر عام 1798, حيث أصدرت في القاهرة صحيفتان باللغة الفرنسية.

في عام 1828 أصدر محمد علي باشا صحيفة رسمية باسم جريدة الوقائع المصرية, وفي سوريا صدرت جريدة سوريا عام 1865, ثم تبعها العديد من الصحف منها غدير الفرات والشهباء والاعتدال في حلب, وصدرت صحف كثيرة متخصصة في دمشق.

وفي عام 1885 أصدر رزق الله حسون في اسطنبول جريدة عربية أهلية باسم مرآة الأحوال العربية.. أول صحيفة إماراتية أسسها إبراهيم المدفع عام 1927 وكانت حائطية يكتب فيها المدفع بخط يده الأخبار العربية, إلى جانب أخبار الدار, وقد استعان المدفع بالصحف العربية التي تأتي إلى البلاد آنذاك مثل الشورى, والمقتطف والرسالة والهلال والأهرام, في تدوين ونقل الأخبار العربية, وأسس بعد ذلك في مطلع الثلاثينيات صحيفة (العمود) وكانت صحيفة سياسية تنتقد الوضع في الإمارات والخليج العربي.  ثم ظهرت الصحيفة الثالثة التي أسسها المدفع سنة 1933م وهي (صوت العصافير) والتي كانت تنتقد أيضاً الأوضاع المحلية, وتهاجم الوجود الإنجليزي في المنطقة.

وفي المملكة العربية السعودية صدرت أول جريدة رسمية باسم جريدة القبلة ثم غُيّر اسمها إلى جريدة أم القرى عام 1924, وفي اليمن صدرت جريدة الأيمان عام 1926.

وفي الكويت صدرت جريدة الكويت عام 1928, أما في البحرين فصدرت جريدة البحرين عام 1936.

الصحافة الإلكترونية

ظهرت الصحافة الإلكترونية في بداية التسعينيات من القرن الماضي، لتشكل بذلك ظاهرة إعلامية جديدة ارتبطت مباشرة بالثورة التكنولوجية, ليصبح بذلك المشهد الإعلامي والاتصالي الدولي أكثر انفتاحاً, فقد  أصبح بمقدور من يشاء الإسهام في إيصال صوته ورأيه لجمهور واسع من القراء, من دون تعقيدات الصحافة الورقية, ومع موافقة الناشر في حدود معينة.

وبذلك أثبتت هذه الظاهرة الإعلامية الجديدة قدرتها على تخطي جميع الحدود الجغرافية بسهولة كبيرة، وكحال أي ظاهرة جديدة ظهرت معها الآراء المتناقضة بين الرافض والمتقبل لهذه الظاهرة, فهناك من يرى بأن الصحافة الورقية صحافة بالمعنى العلمي والواقعي للكلمة, وأن الصحافة الإلكترونية مجرد وسيلة للنشر, وجمع النصوص والمقالات والأخبار والصور بشكل آلي, مجرد من المشاعر والإبداع والفاعلية, بينما آخرون يرون أن الصحافة الإلكترونية مكملة لدور الصحافة الورقية والمطبوعة, وليس هناك صراع بينهما, إلا أن التمويل أصبح الآن من يلعب الدور الأساسي في نجاح تلك الصحف بشكلها الجديد الذي ينعكس بالتالي على شكل وأداء الموقع, من حيث تنوع أخباره وتحديثها بين الحين والآخر, إذ إن ثقافة الإنترنت أصبح لها جماهيرها وشعبيتها وهي في ازدياد مطرد, على العكس من قراء الصحف والكتب, تُراك عزيزي القارئ أيهما تفضل؟