الصابون.. تراث من الإيمان بالنظافة

يطلقون على العملية اسم التصبُّن، ومواده الأولية يمكن الحصول عليها بسهولة، من شحوم الحيوانات ودهونها، أو من زيوت النباتات والأشجار، ويعترفون بأنها ليست سوى تفاعل كيميائي بسيط بين حمض وقاعدة، أما القواعد فأشهرها هيدروكسيد الصوديوم، وأما الحوامض فغالباً ما تكون دهنية كملح الصوديوم أو البوتاسيوم، ويتم الحصول عليها من الدهون والشحوم والزيوت، التي تحدد مدى جودة الصابونة، فاستخدام شحوم رخيصة السعر ينتج صابوناً رديء الصنع، واستخدام زيت الزيتون بدلاً من الشحوم ينتج صابوناً متميزاً ويعطي رغوة كبيرة.

إعداد: ياسر محمد

ويعدّ الصابون -الذي يمكن تعريفه بأنه مادة كيميائية تتفاعل مع الماء وتساعد على تخلص الجلد والبشرة من الأوساخ والأجسام العالقة بها- من الحاجيات الأساسية التي لا يمكن لأي بيت الاستغناء عنها، وهذا هو السبب في انتشار تصنيعها، وتنوع أشكالها.

وقد جاء على لسان الجلدكي في كتابه (رتبة الحكيم): (الصابون مصنوع من بعض المياه الحادة المتخذة من القلي والجير، والماء الحاد يبلي الثوب، فاحتالوا على ذلك بأن مزجوا الماء الحاد بالدهن الذي هو الزيت، وعقدوا منه الصابون الذي ينقي الثوب ويدفع ضرر الماء الحاد عن الثوب وعن الأيدي).

صناعة الصابون

ويمكن تقسيم الصابون من حيث الشكل إلى صلب وسائل، ومن حيث الجودة إلى عالٍ ومتوسط ورديء الجودة، علماً أن أهم ما يحكم الجودة هو قدرة الصابون على الذوبان في الماء وإحداث الرغوة المطلوبة.

ولا ريب في أن أصحاب الأموال وأغنياء الزمان الغابر كانوا لا يترددون في الاستثمار في صناعة الصابون، لما في ذلك من مردود مادي جيد يعود عليهم، خاصة أولئك الذين يزرعون الزيتون، ويستخرجون منه الزيت، إذ يعد زيت الزيتون من أهم وأجود المواد الخام في تصنيع الصابون، وفي هذا دليل كبير على أن ما يسمى “المصابن” انتشرت في الأماكن الريفية في بداية التصنيع، وكان إقبال الناس عليها كبيراً، لما لها من أهمية في التنظيف وإزالة الأوساخ.

والغريب في الأمر أن كثيرين منا يطنون أن عملية تصنيع الصابون صعبة جداً، وتحتاج إلى كثير من المعلومات الكيميائية والخبرات العملية المتميزة، أو أنها تستهلك كثيراً من الوقت، ولكن الواقع ينفي هذه الشائعة ويقول إن كل ما تحتاج إليه للبدء في مثل هذا المشروع هو مجموعة من المعلومات القليلة حول هذه الصناعة، وبعدها تستطيع بدء مشروع العمر، الذي من الممكن أن يغير مجرى حياتك، وأن يجعلك من أصحاب الملايين، وأن يحتوي مشروعك على كثير من شباب وطنك الذي أنهكته البطالة وهو يبحث عن مصدر رزق جيد.

وإن أردتم أن أزيدكم من الشعر بيتاً، فدعوني أخبركم أن بعض الناس كانوا ولا يزالون يصنعونه في المنزل، ويجعلون منه الأشكال التي يحبون ويهوون، ويضيفون إليه العطور والروائح الزكية التي تنعشهم، وهذا يعني أنه من الصناعات الكيميائية البسيطة.

وقد كان العلماء يحذروننا دائماً من بعض التجارب الكيميائية، ويمنعوننا من لمسها أو شمّ بخارها، أو ما شابه ذلك، أما في حالة الصابون فإن جميع المواد المستخدمة لا تمثل خطراً على صحة الإنسان، لذا كانت صناعته سهلة متداولة بين الناس.

تاريخ الصابون

وتنطبق مقولة (صاحب الحاجة أرعن) على صناعة الصابون، فهو يعد من صناعات الإنسان الأولى، الذي اضطرته الضرورة والحاجة إلى التفكير فيها، وتطويرها بشكل دائم، وإضافة المميزات والتشكيلات عليها، حتى غدونا نرى الأشكال المتعددة من الصابون ذي الروائح والألوان المتغيرة المتميزة.

وأكثر الروايات تذكر أن تصنيع الصابون كان قبل القرن الميلادي الأول، وقد عرفه الرومان واستخدموه، أما المسلمون فقد اهتموا به اهتماماً كبيراً، نظراً إلى ما في النظافة والاغتسال من أهمية دينية عندهم، وقد عرفوه في بداية العام الهجري الأول، وأدخلوا عليه تعديلات جديدة، لتناسب استخداماتهم المتعددة من غسل الأواني والثياب، وتطهير البدن والبشرة، وصنعوا أنواعاً خاصة بهم، استخدمها بعدهم من احتك بهم أو استعمرهم، وأرجح ما روي عنهم أنهم قد خلطوا الزيوت النباتية مع هيدروكسيد الصوديوم وبعض المواد الأروماتية، وقد استخدموه كمادة أساسية في الحمامات العامة التي انتشرت عبر أرجاء الدولة الإسلامية وخاصة في عهد الأمويين.

ويعد الصابون النابلسي المصنوع من زيت الزيتون من أشهر أنواع الصابون العربية، الذي جاب أرجاء العالم، وأصبح سفيراً لأهله في الخارج، بجودته العالية وعمره المديد الذي تجاوز ألف عام، ومن خلاله استطاع (النابلسيون) إيصال رسالتهم إلى العالم، بدءاً من دمشق، حيث استخدموه في المسجد الأموي، ومروراً بجزر البحر الأبيض المتوسط، وصولاً إلى أورُبة وأستراليا وأمريكا، وتذكر الروايات أن مدينة مرسيليا في إسبانيا قد احتوت على مصانع لتجهيز صابون مشابه للصابون النابلسي المصنوع من زيت الزيتون الصافي.

تراث لا يموت

ويعد (النابلسيون) صناعة الصابون من تراثهم الحي، ويفخرون بالعمل به، ولا يمكنهم الاستغناء عنه، ويحاولون استخدام المواد المحلية في إنتاجه كالصودا الكاوية والصبغات والخيش والورق، وينتجون منه الصابون الأبيض للحمامات والأخضر للغسيل.

وبعض العائلات تعده المصدر الرئيس من مصادر رزقهم، ويورثونه أبناءهم وأحفادهم، جيلاً بعد جيل.

أما عن طريقة تصنيعه، فيقومون بإضافة الماء المُغْلى على الزيت المغلى أيضاً، ومن ثم تضاف الصودا ويترك مدة ثلاثة أيام، ومن ثم تنقل من حلة الطبخ إلى المفرش، وبعدها يتم سكبها على أسطح حديدية مخصصة لهذا الغرض وتترك مدة يوم كامل أيضاً، ومن ثم تتم عملية تنعيم الصابون وختمه بختم الشركة المصنعة، ثم يتم تقطيعها إلى قطع صغيرة، وبعدها يتم نشرها كي تجف، وتأتي بعدها عملية التغليف، حيث يتم تغليف قطع الصابون في الورق المخصص لها ويتم إغلاق الغلاف بالنشا والمياه.

وعلى الرغم من كل هذه البساطة في الصناعة، وعدم توافر الآلات الحديثة، فإن (النابلسيين) ما زالوا يحاولون الارتقاء بصناعتهم والولوج بها إلى مراقي الدول الصناعية الكبرى، ومنافسة الصناعات الخارجية والأجنبية، حفاظاً على تراثهم ووفاءً لعهد آبائهم وأجدادهم.

وتتكون “المصابن” بشكل عام من أقسام ثلاثة، يقع الأول تحت الأرض، ويخزن فيه الزيت بأنواعه المختلفة، كزيت الزيتون أو جوز الهند أو زيت السمك، بحسب المتاح والمتوافر، وفوقه يأتي القسم الثاني الذي تتم فيه عملية “التصبين” أي خلط المواد الأولية بعضها مع بعض، ومن الممكن تسمية هذا المكان “المطبخ”، وفي القسم الثالث العلوي يوضع الصابون بعد صنعه ليجف ويقطع.

وقد أضافوا إليها حديثاً قسماً رابعاً من الممكن تسميته “المعرض”، وهو المكان الذي يتم فيه عرض الصابون للزبائن، ومنه يصدر إلى الخارج أو يباع للسكان المحليين حسب الطلب.

وبعيداً عما إذا كان الصابون سهل الصنع أو صعباً، فإننا وفي حالات الاتساخ أو التلوث، نحاول الحصول على كمية وإن كانت قليلة من الصابون أو ما شابهه لنتقي بذلك شرّ التلوث وضرره، ولنطبق ركناً أصيلاً من أركان ديننا الحنيف.