التجارب الناجحة.. حق للجميع

أستغرب منطق الأشخاص الذين يبرِّرون فشلهم برفضهم سرقة الأفكار وتقليد الآخرين، وكما أستنكر عليهم منطقهم اللامنطقي، أُشفق على حالنا حين يكون أصحاب هذا المنطق أشخاصاً لهم ثقلهم وقرارهم في مواقع مهمة، فيحرموننا من تلك “الأفكار المسروقة”!

بقلم: يحيى السيد عمر

يقولون: لماذا نعم؟ وأقول: ولِمَ لا؟! من جهتي سأتقبل رفضهم ذاك -إلى حدّ ما- إذا ما استشعرت فيه الرغبة بالتميز والتفرد، من خلال تبنّي أفكار جديدة ومبتكرة لم يسبقنا إليها أحد، تسهم بشكل فاعل في تحسين وترقية حياة الأفراد.. لكن -وبكل أسف- للواقع حديث آخر.

على كل حال، فلنعد إلى مفهومي السرقة والتقليد. تعرف السرقة الفكرية بأنها ادعاء شخص صراحة أو ضمنياً بكتابة ما كتبه آخر أو النقل مما كتبه آخرون كلياً أو جزئياً بدون عزو أو اعتراف مناسِب؛ أي باختصار العزو المزور أو إعطاء الانطباع بأنك كتبتَ ما كتبه غيرك.

وفيما يتعلق بالتجارب الناجحة، سيكون التعريف بالمثل.. أي ادعاء شخص صراحة أو ضمنياً بملكية فكرة شخص آخر، أي إعطاء الانطباع بأنه صاحب الفكرة أو التجربة الناجحة تلك، وبذلك يمكننا استبعاد مبرر السرقة، كون المسألة لا تتجاوز عملية التصدير والاستيراد للتجارب الناجحة -إذا ما افترضنا جدلاً قيامنا بالتصدير!- بعيداً عن أيِّ محاولة لتحويل ملكية الأفكار عن الغير.

أما التقليد، فهو مرفوضٌ جملةً وتفصيلاً، فهو تماماً كما لو أنك تستعير قميص أخيك الصغير أو الكبير أو صديقك المختلف عنك في الذوق لترتديه، ونحن حين نطالب الأخذ بالتجارب الناجحة لا ندعو حتماً إلى النسخ والاستنساخ؛ لأنك في الغالب ستسحب عن التجربة سِمَة النجاح لتصمها -بجهالة منك- بالفشل.

أقول: لا بدّ لنا أن نراعي معطيات المكان الذي ننقل إليه التجربة، فنحن ندرك تماماً ما تعنيه خصوصية المجتمعات، والتي تفرض علينا “إعادة تفصيل” التجربة لتتناسب مع ديننا وثقافتنا ومعايير مجتمعاتنا، لنخرج من خلالها بالنتائج المرجوة.

كما علينا أن نعي حكمة الله تعالى التي اقتضت جعلنا شعوباً وقبائل . أمماً وحضارات، فنأخذ من الآخر ونضيف إليه؛ ونحقق بذلك التكامل بوصفه أرقى ما يمكن أن تكون عليه العلاقة التي تربط الحضارات الإنسانية فيما بينها. فبعيداً عن أشكال العلاقات الأربع الأخرى المتمثلة في التصادم والاندماج والحوار والتنافس، يأتي التكامل الحضاري لتتداخل من خلاله إنجازات وتجارب كل حضارة في موضوع ما، وتُضاف بعضها إلى بعض مكوِّنة إنجازاً أكبر يحمل صفة النجاح في صورته النهائية.. وما ينطبق على الحضارات، ينطبق بدوره على الدول والمجتمعات.

من جهة أخرى، أتساءل كم من العمر يمكننا أن نضيف إلى أعمارنا لنتمكن من تجربة كل شيء في هذه الحياة؟!، هي حياة واحدة في دنيا لا يعلم نهايتها غير الإله الواحد، فمازلنا نفكر داخل إطار سبقنا إليه الآخرون وتوصلوا من خلاله إلى نتائج إيجابية طبَّقوها واستفادوا منها في حياتهم ظناً منا بعقلانية ما نفعل، فمن يعيد لنا عمرنا المهدور؟!، ومن يعيد لرعايانا وخاصتنا عمراً كان من الممكن أن يُستثمَر الاستثمار الأمثل إذا ما كنا قد أحسنّا توجيه فكرنا لنبني به فوق ما توصل إليه غيرنا، ونبدأ من النقطة التي انتهوا إليها، ونضيف إلى نجاحاتهم نجاحات جديدة تضاف إلى قائمة التجارب الناجحة، فنحسن بذلك استغلال العقل والوقت والجهد.

أخيراً، قد لا تكون الاستفادة مباشرة من خلال تطبيق التجربة نفسها، ولكن قد يساهم مجرد الاطلاع على تجارب الآخرين في شَحْذ العقول وتوسيع المدارك لاستنباط أفكار أخرى جديدة، إمّا أن تعزز ما بداخل الإطار أو أن تبني خارجه..

ودمتم بود.

 

مصدر المقال

لتحميل المقال بصيغة PDF يرجى الضغط على الرابط التالي:

تحميل