البروفيسور مجدي يعقوب ملك القلوب.. يتربع على عرش ينبض بالحياة

لسبب ما, لا يستطيع العلماء العرب الاستمرار في أوطانهم.. يهجرون مرابع الطفولة إلى أيادي الغرب التي تتلقفهم بشغف العاشق لعلمهم, تمنحهم كل ما يحلمون به, وتعطيهم كل ما يحتاجه إنسان ما عدا دفء الانتماء إلى حفنة من تراب وطن!!

هكذا هم علماؤنا.. مشتتون في المنافي التي باتت أوطاناً بديلة لكثير منهم.. إلّا قلّة حملوا أوطانهم في قلوبهم, فظلّوا متمسكين بها وإن تخلّت عنهم..

إعداد: آس غاله

قد يبدو هذا الكلام قاسياً, لكنه للأسف حقيقة مرّة نتجرّعها صامتين, ونحن نرى بأم العين ما نفقده من طاقات تذهل العالم بعظمتها..

بين القلوب

كل تلك الأفكار اجتاحت رأسي وأنا أقرأ خبراً صار الآن قديماً, عن (ملك القلوب) البروفيسور مجدي يعقوب, الذي أجرى عملية فريدة في نوعها, لفتاة بريطانية اسمها (هانا كلارك) كان قد أجرى لها عملية زرع قلب منذ عشرة أعوام وأبقى على قلبها الأصلي على أمل أن يعود هذا القلب إلى النبض من جديد..!

ويبدو أن الله سبحانه لم يخيّب أمل الدكتور مجدي فعاد قلب هانا إلى الخفقان من جديد, وعادت معه أنامل البروفيسور العظيم إلى غرفة العمليات بعد تقاعده, ليجري لها عملية عكسية أزال خلالها القلب المزروع..

كانت تلك العملية قفزة في عالم جراحة القلب, استحقّ د. مجدي من أجلها كل احترام وتقدير.. فمن هو هذا الرجل الذي أمضى حياته بين القلوب؟

سأخبركم بصراحة أنني لا أتحدث عنه هنا كشخص مشهور ترك بصمته في عالم الطبّ وأثبت جدارته كواحد من قلائل في العالم استطاعوا تحقيق المعجزات بعد فضل الله تعالى.. فأخباره والمعلومات عنه تملأ شبكة الإنترنت والمطبوعات العلمية الغربية, لكن السؤال الذي يقفز إلى الواجهة: ما نسبة العرب الذين سمعوا به أو عرفوا عن تخصصه وعلمه؟

لن أجيب, لأن الجواب مخجل, فهذا الطبيب الذي يحمل الجنسية البريطانية, ومنح لقب فارس من قبل ملكة بريطانيا, وأطلق عليه الإعلام البريطاني لقب (ملك القلوب) مازال بعيداً عن نيل أي لقب في وطننا العربي, وهو على ما يبدو غير طامع بذلك, لأنه وهب جزءاً كبيراً من وقته لفقراء العالم, يتنقّل بين قلوبهم وهمّه الوحيد أن يمنحهم شعلة الأمل التي توقد نبض قلوبهم من جديد..

من هو؟

كانت منطقة بلبيس في مصر مسقط رأس الدكتور مجدي يعقوب في 16 نوفمبر 1935, حيث ولد لعائلة قبطية تنحدر أصولها من أسيوط.. وقد ورث مهنة الطبّ عن أبيه, وكان من أبرز ما أثّر فيه ودفعه للتخصص في جراحة القلب, هو موت عمّته الشابة بسبب ضيق في صمّام القلب, الأمر الذي احتاج عملاً جراحياً في الخارج, ولم تكن ثمّة إمكانية لذلك..

عمل د. يعقوب -الذي يعدّ من أبرز المتخصصين في جراحة القلب والأوعية الدموية- باحثاً في جامعة شيكاغو الأمريكية عام 1969م، ثم رئيساً لقسم جراحة القلب عام 1972م، وأستاذاً لجراحة القلب في مستشفى برومتون في لندن عام 1986م، ثم رئيساً لمؤسسة زراعة القلب في بريطانيا عام 1987، وأستاذاً لجراحة القلب والصدر بجامعة لندن.

كما شغل منصب مدير البحوث والتعليم الطبي, ومستشارٍ فخريٍّ لكلية الملك إدوار الطبية في لاهور بباكستان، بالإضافة إلى رئاسة مؤسسة زراعة القلب والرئتين البريطانية.

وقد أصدر يعقوب العديد من الأبحاث العالمية المتميزة التي فاقت الأربعمائة بحث متخصص في جراحة القلب والصدر.. وعلى الرغم من تقاعده إلا أنه استمر كاستشاري لعمليات نقل الأعضاء، كما استمر عمله في مجال البحوث الطبية وكتابة التقارير والمقالات العلمية..

إنجازاته الطبية

للدكتور مجدي العديد من الإنجازات الطبية, فمن خلال عمله كجراح قلب في المستشفيات البريطانية، قام بتقديم كثير من الأساليب الجراحية الجديدة لعلاج أمراض القلب وخاصة الأمراض الوراثية، ويعدّ الدكتور يعقوب ثاني جراح يجري عملية زراعة قلب بعد الدكتور العالمي كريستيان برنارد عام 1967م، حيث تمكّن من إجراء أول عملية جراحية لزراعة القلب عام 1980م, وكانت تلك فاتحة لعهده مع هذا النوع من الجراحة, حيث أجرى حوالي ألفي عملية زراعة قلب على مدار 25 عاماً.

وقد عكف على إجراء هذه الجراحات على نفقته ونفقة المتبرعين لمدّة من الزمن، حيث لم يكن هذا النوع من الجراحة منتشراً في تلك المدّة، ولم تكن تكاليف هذه العملية تخضع لنظام التأمين الصحي للمرضى، وقد نجح د. يعقوب نجاحاً باهراً في مجال زراعة القلب والرئة، ثم زراعة الاثنين في الوقت نفسه عام 1986م.

لم يقف في وجه الدكتور مجدي عائق يمنعه من ابتكار أسهل وأفضل الطرق في مجال جراحة القلب وتنمية مهارات الجراحين, فقد وهبه الله سبحانه إصراراً وإرادة قويين جعلاه يخترق كلّ ما هو صعب ليكون دائماً بين الروّاد في مجاله.

وقد ساهم في مركز هارفيلد لأبحاث أمراض القلب ببريطانيا، واستحدث أساليب مبتكرة للعلاج الجراحي لحالات هبوط القلب الحاد، كما عمل على تأسيس البرنامج العالمي لزراعة القلب والرئة.

يـدٌ بيضاء

لطالما انطلق الدكتور مجدي في عمله من مبدأ إنساني محض, فمن وجهة نظره إن دخول كلية الطب يجب أن يكون مدفوعاً منذ البداية بدافع إنساني، ويجب أن يكون لدى من يدخل هذه المهنة رغبة حقيقية وصادقة لخدمة المرضى والتخفيف من آلامهم، وأن يعي كذلك أن هؤلاء المرضى سوف يكونون هم عالمه الذي سيأخذ جلّ وقته.

هذا المبدأ دفعه إلى تنفيذ مشروع لمساعدة المرضى في المناطق الفقيرة أطلق عليه (سلسلة الأمل) حيث يذهب د. مجدي إلى إثيوبيا وموزمبيق وأسوان في جنوب مصر، وكذلك إلى المناطق الفقيرة في آسيا وأميركا اللاتينية ليعالج الفقراء مجاناً وليدرب الأطباء المحليين..

ورغم أن كثيراً من الأطباء حديثي التخرج يرفضون الذهاب إلى تلك المناطق النائية, إلّا أن الدكتور مجدي يزورها بفرح غامر, متأبّطاً مبضعه كمن يتأبط الأمل في نبض جديد..

هل يحتاج التكريم؟

رجل عرف عنه واسع معرفته بالفلسفة والفنّ والأدب إلى جانب عبقريته الطبية, استحقّ بجدارة تكريم ملكة بريطانيا لتمنحه لقب (سير) عام 1991, كما فاز بجائزة الشعب عام 2000م التي قامت بتنظيمها هيئة الإذاعة البريطانية BBC، وتمّ انتخابه من قبل الشعب البريطاني ليفوز بجائزة الإنجازات المتميزة في المملكة المتحدة.

كما نال التكريم في وطنه الأم عندما قام الرئيس المصري محمد حسني مبارك بإصدار قرار بتشكيل المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا، فتمّ ضمّ عدد من رموز مصر بالخارج إليه, ومن ضمنهم الدكتور مجدي يعقوب، إلى جانب د. أحمد زويل، ود. فاروق الباز، وغيرهم من العلماء والشخصيات العامة المتميزة، التي عملت على دفع مسيرة العلوم والتكنولوجيا بمصر, وكان لها حضورها العالمي المتميز.

لا أعتقد أن البروفيسور مجدي يعقوب في حاجة إلى أي نوع من التكريم, لأنه يعلم علم اليقين أن القلوب التي عالجها وطن يضمّ قلبه الذي وسع العالم كلّه.. وهذا أعظم تكريم يناله إنسان.