الإدارة بالحب.. مدخل للتطوير المؤسسي

عندما يكون المناخ التنظيمي في مؤسسة إدارية عاصفاً، وعندما تكون أمواج العلاقات الوظيفية هائجة، وعندما تصبح بيئة العمل الإداري وتمسي على مشاحنات هنا ومشاكسات هناك.. ينتابنا إحساس باليأس، ويملؤنا شعور بالحزن، ونجد أنفسنا واقفين داخل نفق مظلم نظنّه بلا نهاية.

ولكن.. بعد أن نأخذ نفساً عميقاً، ونفكر بشكل مختلف، ونستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، نجد أن رؤيتنا غدت أقوى، وبصيرتنا صارت أعمق.. عندها فقط نتمّكن من تمييز ذلك النور البعيد المنبعث من نهاية النفق، مطلقاً شرارة الأمل في قلوبنا، ومعلناً بداية عهد جديد يملؤه التفاؤل بالمستقبل الرغيد، المفعم بالرغبة الصادقة بالتطوير، مع الإصرار على وجوب التغير نحو الأفضل.

بقلم الدكتور: راكان الراوي

إن توفر الرغبة الصادقة بالتطوير المؤسسي، يعدّ المفتاح الرئيس لإحداث التغيير الإيجابي في بيئة العمل الإداري، ونحن في هذا المقال لا نريد أن نتحدث عن مدخل تقليدي من مداخل التطوير، بل نريد أن نطرق باب مدخل متميّز لإحداث التطوير المنشود، ألا وهو مدخل (الإدارة بالحب Management by Love)، الذي يستند بشكل أساسي على إشاعة مشاعر المحبة بين الإدارة العليا والمرؤوسين من جهة أولى، وفيما بين المرؤوسين أنفسهم من جهة ثانية، وبين المؤسسة الإدارية بأكملها وجمهور المستفيدين من الزبائن والمتعاملين من جهة ثالثة.

ثلاثية الإدارة بالحب

تأسيساً على ذلك.. فإن (الإدارة بالحب) كمدخل للتطوير المؤسسي يتعامل مع معادلة ثلاثية العناصر (الإدارة العليا للمؤسسة، المرؤوسين، المتعاملين).

وفي تصورنا الشخصي تعبر الإدارة العليا عن المتغير المستقل في المعادلة، وكلّ من المرؤوسين والمتعاملين يعبر عن متغيرات معتمدة، ومنطلق هذا التصور نابع من حقيقة كون القيادة العليا لأي مؤسسة تمثّل عمودها الفقري الذي تستقيم المؤسسة باستقامته وتعوج باعوجاجه.

إن أهمية القيادة تنبع من جسامة الدور الذي تضطلع به، إذ من الممكن القول دون مبالغة إنّ القيادة الإدارية بمعناها وأبعادها الشاملة تعبر عن حجر الزاوية في حياة المجتمعات والمؤسسات الإدارية المختلفة، والعامل الرئيس في تقدمها وريادتها، فالقادة هم الذين يخططون ويضعون الأهداف ويرسمون السياسات (العادلة والسليمة والمقنعة)، ويتولون عملية تنظيم وتحديد الاختصاصات والسلطات (التي يتمّ التفاعل معها والاستجابة لها)، ويقومون بمهمة الرقابة والمتابعة المستمرة (الرقابة البنّاءة)، ويتخذون القرارات التصحيحية اللازمة (عملياً وسلوكياً وإنسانياً). ثمّ هم الذين يوجهون ويصدرون التعليمات والتوجيهات والإرشادات، ويؤثرون على سلوك واتجاهات الموظفين، واستدعاء طاقاتهم بعد أن تتمّ الاستجابة المطلوبة ويتحقق الارتباط والاحترام والثقة المتبادلة.

أما القائد الإداري.. فهو ذلك الفرد الذي يتولى قيادة مؤسسة إدارية بما يوجه وينمي العمل الفردي للمرؤوسين، مع تطوير العمل المشترك فيما بينهم، ويعزز روح الجماعة وروح التعاون في شخصياتهم، ويوجد درجة عالية من الحماسة والعطاء لديهم والارتباط بالنظام الذي ينتمون إليه، مع بناء علاقات طيبة ومناخ تسوده الاستجابة والثقة والاحترام المتبادل، ومن ثمّ -وهذا هو ردّ الفعل- التأثير في معلومات واتجاهات وسلوك الموظفين بما يحقق رضاهم وأهدافهم ورضا وأهداف التنظيم، وتلك هي النتيجة.

بناءً على ما ذكر بشأن مفهوم القيادة الإدارية والقائد الإداري.. يمكن القول إن إيجابية أو سلبية القيادة العليا تنعكس بشكل حتميّ على المرؤوسين والمتعاملين. وبالتالي فإن صلاح أي مؤسسة إدارية منبعه صلاح قيادتها العليا، وفساد مؤسسة ما مصدره فساد قيادتها.

ومما لاشك فيه أن أي قائد إداري يسعى إلى الوصول بالمؤسسة التي يقودها إلى القمة، ومن ثمّ العمل بشكل جاد للحفاظ على هذه القمة، مع الأخذ بالحسبان أن قضية المحافظة على القمة أسهل بكثير من الوصول إليها، وبالتأكيد إن هذا الإنجاز لا يمكن أن يتحقق إلا بواسطة موظفين أكفاء، يعملون بجد وإخلاص، ويتفانون في خدمة مؤسستهم ومتعامليها، بعيداً عن أي تقصير أو إهمال في الأداء.

قانون الحب

من هنا ينبغي على القائد الإداري أن يأخذ بجميع الأسباب المتاحة؛ لخلق موظفين يتعاملون مع مؤسستهم وكأنها بيتهم الثاني، بحيث يشعرون بثقل المسؤولية التي يحملونها أمام الله عزّ وجلّ، وأمام قيادتهم العليا، وأمام المجتمع الذي يخدمونه.

وفي مقدمة هذه الأسباب يأتي (قانون الحب) الذي يجب أن يترسخ في نواة الثقافة التنظيمية للمؤسسة، لأن هذا القانون يعبر عن الأرضية الخصبة التي تنبت من جذورها مشاعر الانتماء والولاء في نفوس الموظفين تجاه المؤسسة التي يعملون فيها.

على القادة أن يدركوا بأنهم يتعاملون مع بشر، وأن البشر بطبيعة الحال يتمتّعون بقدر هائل من العاطفة، خاصةً أولئك الذين تبدو على سلوكهم صعوبة المراس والاكتفاء الذاتي، وحين يستمع القادة إلى مثل هؤلاء الأشخاص بالأذن الثالثة (القلب)، وقتها يجدون في أنفسهم القدرة على التصريح بذلك. ومن ثمّ يكتسب القادة قدرة أعظم في التأثير عليهم، وذلك عن طريق إظهار مشاعر الحب والمودة لهم.

هناك الكثير من القادة الذين يستمدّون قوتهم من مناصبهم، واتساع صلاحياتهم، وقدرتهم على إيقاع العقوبات المختلفة بحق تابعيهم، فتجد المرؤوسين يطيعونهم خوفاً من جبروتهم. ولكن هناك نوعية أخرى من القادة يستمدون قوتهم من خلال جسور الألفة التي يمدونها مع موظفيهم، وبواسطتها يدخلون إلى قلوبهم، فتجد المرؤوسين يطيعونهم احتراماً وتقديراً لهم، ولمكانتهم الكبيرة والعامرة في صدورهم. ولنا أن نتصور الفرق الشاسع والتباين الهائل بين من يتحصل على طاعة الآخرين له باسم الخوف والوجل، وبين من تأتيه طاعة الآخرين بانسيابية واسترسال، كونها أبحرت على مركب الود والمحبة.

ونحن على يقين بأن نضج القائد الإداري يلعب دوراً رئيساً في رسم ملامح شخصيته، فإذا لم يكتمل نضج المرء الداخلي أو افتقد إلى قوة شعورية، فسيلجأ حتماً إلى قوة منصبه وسلطاته وصلاحياته وأقدميته في العمل أو حتى إلى عزوته ومعارفه واسم عشيرته.. يستمدّ منها قوة تعوض نضجه وقوته المفتقدين.

أما إذا اكتمل النضج الداخلي للقائد، فسنجده واثقاً من نفسه ومن قدراته، متمكّناً من بسط قوته على المرؤوسين عن طريق الخلق الكريم والكلمة الطيبة.

ونحن نتحدث عن الخلق الكريم للقادة الإداريين، لا يسعنا إلا أن نعطر كلماتنا بالحديث عن سيد الأنام (نبينا محمد صلى الله عليه وسلم).. الرسول القائد، والقائد القدوة، والنبي الأسوة، ففي الآية الكريمة “وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ” (القلم/4).

ولما كان خُلُق النبي صلى الله عليه وسلم القرآن، فقد وجب أن يكون قدوةً لجميع القادة الإداريين المؤمنين الذين يرجون الله واليوم الآخر، ويذكرون الله كثيراً، مصداقاً لقول الله عزّ وجلّ في محكم التنزيل: “لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً” (الأحزاب/21).

لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصاً كل الحرص على الأخذ بجميع الأسباب المتاحة بغية نشر رسالة الدين الإسلامي، وإعلاء كلمة التوحيد.. كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله. وفي مقدمة هذه الأسباب يأتي بناء الرجال المؤمنين، الصادقين الصابرين، الذين يحبهم ويحبونه، والذين قال الله عزّ وجلّ في حقهم: “مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً” (الأحزاب/23).

ومن جهةٍ أخرى كان النبي يحب أصحابه حباً لا مزيد عليه، فإذا سلّم عليهم لا يسحب يده حتى يرخي المصافح يده، وكان يلقى الناس بوجه متهلل حقاً، وكان يمقت الغيبة، وكان البادئ دائماً أصحابه بالتحية، وكان رقيق القلب في تعامله معهم، ويصفح ويعفو عن أخطائهم، ويستغفر لهم، فضلاً عن أنه كان يحرص على طلب المشورة منهم في جميع الأمور التي لا وحي فيها. وكل ذلك امتثالاً لأمر الله عزّ وجلّ الذي جسدته الآية المباركة: “فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ” (آل عمران/159).

وبالنسبة إلى معرفة النبي صلى الله عليه وسلم بنفسيات المؤمنين من حوله، فقد كان ملمّاً إلماماً شديداً بهذا الجانب، لأنه ولد بينهم وترعرع وعاش معهم، وكان يعيش كأي واحد منهم، ويشاركهم في السرّاء والضرّاء. فعرف مزايا الجميع، وكلّف كل واحد منهم بواجب يتفق مع نفسيته وقابليته البدنية والعقلية، لذلك استطاع أكثر الصحابة رضي الله عنهم إنجاز مهماتهم بكفاءة وإتقان. ومن ثمّ كان قديراً على اختيار الرجل المناسب للعمل المناسب. وكان يعرف النفسية البشرية، ويقدرها حق قدرها، ويعرف كيف يوجهها إلى ما يناسبها. وذلك نابع من حرصه الكبير على المؤمنين، ورأفته بهم.. قال الله تعالى: “لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتمّ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ” (التوبة/128).