ابن العطار

الأقدار محتومة.. وقد تكون ظالمة أحياناً, لكن ذلك لحكمة من عند الله سبحانه وتعالى, لذلك فالإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره هو ركن من أركان الإيمان..

هكذا وجد مجد نفسه مرهوناً لقدر قاسٍ, جعله يفقد أباه في سن الثامنة, ليعيش في كنف والدة بسيطة لا تمتلك من ثروة في حياتها سوى صبرها وإيمانها بقضاء الله وقدره..

بقلم: آس غاله

الوالد المتوفى كان يعمل بائع عطور في دكان مستأجر, وقد كان يركب العطور بنفسه, ما أعطاه لقب (العطار), الأمر الذي جعل مجد (ابن العطار)..

وكان يمكن أن يرث مجد مهنة أبيه التي يعشقها لو أن القدر أمهله, لكن الوالد المصاب بذات الرئة رحل باكراً ليترك زوجته وطفله يختاران طريقهما وحيدين..

“لم يكن يحمل شهادة جامعية”.. تتردد العبارة في أعماق المرأة المفجوعة..

وتفكّر: “لو كان يحمل شهادة جامعية لوجد عملاً في الحكومة, ولما وجدت نفسي في هذا الموقف, لن أسمح أن يحصل لمجد ما حصل لأبيه, سأعمل خادمة إن اضطررت حتى يتعلم ابني ويحصل على الشهادة التي تحمي مستقبله”..

بمساعدة صغيرة من الأقارب, استطاعت الأم أن تجد عملاً لائقاً كمربية أطفال عند أسرة ثرية, واستمرت في عملها حتى كبر مجد ودخل الجامعة, ليدرس التاريخ يحدوه الأمل بمستقبل واعد, لأنه لن يكتفي بدراسته الجامعية, وإنما سينال درجة الدكتوراه بالتاريخ..

لكن هذا الطموح وكتب الجامعة التي يحملها كل صباح, والنظارات الطبية التي تخفي الحزن في عينيه السوداوين, لم تغير لقبه في الحي, اللقب الذي طالما أحبه (ابن العطار)..

كثرت مصاريف مجد, وأخذ يشعر بحجم العبء الذي يلقيه على عاتق أمه, فقرر أن يعتمد على نفسه ويريحها بعد أن أصبح رجلاً قادراً على القيام بأي عمل..

على الرغم من إصرار الأم على الاستمرار بعملها, رفض مجد أن يسمح لها بذلك, وأخبرها أنه وجد عملاً في أحد مطاعم المدينة, ولن يضيره أن يكون نادلاً عدة سنوات ريثما ينهي دراسته الجامعية..

لن يدرك شاب مثله معنى الذلّ حتى يجربه, فهو حين عمل نادلاً كان يؤمن بأن النادل شخص كغيره, يؤدي عملاً شريفاً لينال عليه أجراً معيّناً..

لكن المعايير تخضع لمعطيات المجتمع, ونظرة كثير من الناس للأمور تحكمها المظاهر, ولأن مجد يتطلع إلى مستقبل مشرق, قرر احتمال كل أنواع الإساءات التي تعرّض لها, لأنه يعرف في قرارة نفسه أنه بالرغم من نظرة الناس إليه, إلا أنه طالب جامعي متفوق, وقارئ نهم, وشاب مثقف..

لم تكن السنوات الأربع التي قضاها مجد في دراسته سهلة, فقد أمضى أجمل سنوات عمره يتنقل بين طاولات الزبائن, يلبي طلباتهم, ويتحمل انتقاداتهم, فإن كان ملح الطعام كثيراً أو قليلاً تتوجه الشتيمة إلى النادل, وإن كانت القهوة ثقيلة أو خفيفة تتوجه الإهانة إلى النادل, على الرغم من أن النادل يحمل الأطباق لا أكثر..

لن ينسى أحد في الحي تلك الزغرودة العالية التي أطلقتها أم مجد فرحاً بتخرج وحيدها في الجامعة.. خرجت إلى الشارع والدموع تفيض من عينيها, وأخذت تنادي:

“يا جيران.. ابني.. وحيدي.. حمل الشهادة الكبيرة.. هنئوني.. افرحوا معي.. فأنا أم مجد.. ويكفيني من الدنيا أنه ابني..”..

لم يستطع مجد كبت دموعه, فقد كان فرح أمه بالنسبة إليه أعظم بكثير من شهادته..

بعد شهور من التخرج, تعب مجد من البحث عن عمل في مجال اختصاصه, وامتهن مراجعة المدارس ومديريات التربية, لعلّه يعمل مدرّساً لمادة التاريخ أثناء تحضيره للدبلوم ورسالة الماجستير, فهو لن يتوقف عند حدود الشهادة الجامعية التي تراها أمه شهادة كبيرة..

ربطت مجد وأحد أساتذته في الجامعة صداقة متينة, لأن الأستاذ توسّم فيه خيراً, فقد كان أحد ألمع الطلبة ولم يكتفِ يوماً بالكتب الجامعية, وإنما استفاد من أمهات الكتب والمراجع التاريخية القديمة والحديثة, لأنه عشق التاريخ كثقافة وليس كشهادة..

لجأ مجد إلى الأستاذ ليشرح له لماذا لم يستطع إيجاد عمل, فقال له:

“لأنني أعرف عشقك للتاريخ لن أقول لك إنك أخطأت باختيار مجال دراستك, ففي الواقع, سوق العمل لا يطلب هذا الاختصاص, لقد أشبعت المدارس بمدرّسي التاريخ في الفترة التي تخرج فيها عدد كبير من حملة هذا الاختصاص, فلم يعد أحد بحاجة إليه, اليوم مجالات العمل مفتوحة بكثرة أمام مهندسي المعلوماتية والعمارة, والأطباء والصيادلة, وحملة اللغات والحقوق.. أما أنتم فلا عمل لكم”..

كانت صراحة الأستاذ جارحة, وأراد مجد أن يسأله: “لماذا لم تخبرونا بذلك في السنة الأولى من دراستنا؟!.. لماذا تدرّس الجامعات اختصاصاً لا أهمية له؟!.. ولماذا أقضي ستة عشر عاماً من عمري بالدراسة, لأعمل بعدها في مهنة لا تتطلب مني سوى محو أمية؟!..”.

هي أسئلة مشروعة لشخص في مكانه, لكنها بدون أجوبة.. آثر مجد الصمت, وخرج من عند أستاذه متجهاً إلى المطعم القديم حيث نال النقود التي اشترى بها كتبه الجامعية..

لم يكن صاحب المطعم فرحاً بوضع مجد, فهو يحترم شهادته, ويعرف نظرة المجتمع للنادل, لكنّه وجد أن عمل مجد في مطعمه, خير من عمله لدى شخص آخر لا يقدّره..

على الرغم من الإحباط, أصرّ مجد على إنهاء دراسته العليا.. فكان يعمل في المطعم نهاراً ويدرس ليحضّر رسالة الماجستير ليلاً..

ولأنه تعلم التفاؤل من أمه, حاول أن يتأقلم مع كونه نادلاً, فصار مقرباً من كثير من الزبائن الدائمين في المطعم دون أن يعلم أحد منهم أنه طالب متفوق على وشك الحصول على شهادة الماجستير في التاريخ..

كان بعضهم يستعين به لتعبئة فراغ في شبكة الكلمات المتقاطعة, فيذهلون من سرعة إجابته وإلمامه بالكثير من المعلومات الثقافية, وبعضهم الآخر كان يتخذه حكماً في جدال سياسي أو ثقافي, الأمر الذي وسّع شعبيته وزاد من إعجاب مدير المطعم به..

لكن هذه الحال لم تكن يوماً لترضي مجد على الرغم من التفاؤل المرسوم على وجهه, خاصة بعد أن نال شهادة الماجستير وعجز مجدداً عن إيجاد عمل في اختصاصه..

ذات صباح, جلس ثلاثة شبان مراهقين حول طاولة في المطعم, رفع أحدهم يده مشيراً إلى مجد وقال له:

“هي.. أنت.. تعال إلى هنا”..

انزعج مجد من الأسلوب, لكنه حافظ على هدوئه, وقال للشاب:

“اسمي مجد يا صديقي”..

رمقه الشاب بنظرة تعالٍ وقال:

“لست صديقك.. أنت مجرد نادل.. ابن عطار.. أما أنا فابن تاجر كبير.. تذكر هذا جيداً, فقد استأجر أبوك أحد محلاتنا, حتى وفاته”.

نزلت العبارة على مجد كالصاعقة, فهذا الصبي لم يكن قد ولد بعد حين توفي والده, ولم يكن عمل والده يوماً عاراً عليه, وإنما كان يعشق لقب (ابن العطار).. لكن ما جرحه هو أن الصبي استهزأ به لأنه نادل, إلا أنه تمالك نفسه, وقف وانتظر من الصبي أن يطلب مشروبه, لكن الأخير بدا مستمتعاً بإذلال مجد, فقال له:

“هيا أيها النادل, أحضر ثلاث نرجيلات وثلاثة أكواب من الشاي, وبعد ذلك نظف سيارتي فزجاجها متسخ..”.

انفجر شيء ما في داخل مجد, لكنه بقي متماسكاً, قال له:

“لستُ عامل نظافة.. سأحضر ما طلبت”.

أمسك الصبي قميص مجد وشدّه باتجاهه, وقال:

“اسمع.. ستمسح السيارة رغماً عنك يا بن العطار”..

في تلك اللحظة فقد مجد أعصابه, استدار فجأة ولكم الصبي على وجهه بقوة, فانهار تحت وطء المفاجأة وقوة اللكمة.. وهنا اجتمع رواد المطعم والمدير والموظفون ليستفسروا عما حدث, فما كان من مجد إلا أن خلع قميص العمل ورماه في وجه الصبي الذي كان يشتم, ويتوعد, ويكرر عبارة (ابن العطار)..

قال مجد:

“لقد ذكّرتني بما يتوجب عليّ عمله, فلتذهب الجامعات إلى الجحيم, أنا عطار ابن عطار.. سأتعلم مهنة أبي..”.

اليوم يستطيع من يمرّ في ذلك الحي, أن يشتمّ أجمل العطور من محلّ راقٍ وأنيق, يديره الدكتور مجد, ويستطيع أن يرى على طاولة البائع سلسلة (تاريخ الحضارة) التي يستمتع كثيراً بقراءتها, وهو اليوم وجد نفسه أخيراً, واختار المهنة التي يحترمها كثيراً, برغم أنها بعيدة كل البعد عن اختصاصه العلمي..