ابن البيطار.. أول من أسس الصيدلة العربية على أسس علمية

ملايين الدولارات تصرف يومياً في الجامعات والمختبرات على الدراسات والأبحاث في سبيل اكتشاف دواء ناجع لهذا المرض أو ذاك، يوقف آلام المعاناة عند كثير من البشر، ومئات التقارير تصدر من هنا وهناك تحذر من هذا العقار أو ذاك، وبين الفينة والأخرى تطالعنا الصحف بأخبار عن سحب بعض العقاقير من الأسواق بسبب المضاعفات الكبيرة التي قد تنتج عن استخدامها على المدى الطويل، أو بسبب آثارها الجانبية الخطيرة على بعض المرضى، أو لضعف المادة الفعالة فيها، أو لأنها غير مطابقة للمواصفات المعتمدة.. وإلى ما غير ذلك من أسباب قد يكون لها أول وليس لها آخر..

إعداد: خولة العليوي

واليوم, بما أن العالم المترامي الأطراف أصبح قرية صغيرة، أصبحنا بذلك ضمن حقل التجارب، ولم نعد بمنأى عن تلك الأحداث التي تتنامى في عالم الطب والصيدلة كل يوم، وخصوصاً بعد أن تفشى الجهل فينا، وانعدمت روح البحث العلمي الحق في أمتنا العربية، ونسينا وتناسينا التاريخ العريق الذي تركه لنا أجدادنا من قادة العالم في العصور الوسطى، وغفلنا عن الإرث الفذ والزاد العلمي العظيم الذي يضم عديداً من المؤلفات والبحوث القيمة، التي شكلت لبنة أساسية في تطور العلوم عند الغرب حتى وقت قريب.

ولازلت كل يوم وأنا أطالع مثل هذه الأخبار في الصحف أتذكر ابن البيطار هذا العالم المجتهد الذي يعدّ أعظم كاتب عربي خلّد في علم النبات حسب ما ذكر عنه ماكس مايرهوف.

ويعدّ ابن البيطار -وهو ضياء الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد المالقي- أشهر عالم نباتي عربي ظهر في القرون الوسطى، فقد ولد في أواخر القرن السادس عشر الهجري في مدينة مالقة بالأندلس، وتميز بالفطنة وتوقد البصيرة، ولأن والده كان من العشابين المعروفين في زمانه, تأثر كثيراً بعمل والده وأحبه، ثم تتلمذ على يد أشهر علماء النبات في ذلك الوقت ابن العباس وعبد الله بن صالح.

وذكر ابن البيطار 1400 نوع من النباتات، يمكن استخدامها لأهداف طبية، كما ذكر أيضاً اسم 200 نوع من النباتات التي لم يتعرف إليها طبيب قبله، وذكر طريقة تركيب الدواء لبعض الأمراض، والجرعة المطلوب تناولها للعلاج، فكيف كان له ذلك؟

رحلة في عالم النبات

لم يكتف ابن البيطار بالمعلومات التي أخذها عن أبناء جلدته آنذاك، فعكف على دراسة كتب ديسقوريدس، وجالينوس، وأبقراط وأوريبازيوس وابن سينا والإدريسي، دراسة مستفيضة حتى ألـمّ بكل ما جاء فيها، وشرح نقاطها الغامضة، وصوب خطأها ونقحها من الخرافات التي كانت تنافي العلم.

ولم يقف شغف ابن البيطار بالبحث والدراسة عند هذا الحد، بل أخذ يجوب البلدان من شرقها إلى غربها, فمن الأندلس انطلق قاصداً المغرب، وتوجه منها إلى الجزائر وتونس، ثم تابع جولاته إلى آسيا الصغرى ماراً بأنطاكية ومنها إلى سوريا ثم إلى مصر فالحجاز وغزة والقدس وبيروت، ومن هناك انتقل إلى بلاد الإغريق, حتى وصل إلى أقصى بلاد الروم، وفي كل محطة من محطاته كان يجمع النباتات والأعشاب على اختلاف أنواعها لدراسة خواصها، ويطلع على التراث العلمي لكل منطقة في مجال علم النبات، ويتعرف على علماء النبات فيها, ويدرس آثارهم ويفند معلوماتهم، وهكذا سرعان ما ذاع صيته فعينه الملك الأيوبي الكامل رئيساً للعشابين في مصر, واعتمد عليه في الأدوية المفردة والحشائش، ثم انتقل مع الملك الصالح نجم الدين إلى دمشق، فعكف على تأليف عديد من المؤلفات المهمة، ويعد كتاب (الجامع لمفردات الأدوية والأغذية) أو ما يسمى (مفردات ابن البيطار) موسوعة معرفية ضخمة في علم النباتات والصيدلة، ضمت بين دفتيها كامل الخبرات والنتائج التي توصل إليها خلال سنوات بحثه الطويلة.

وقد استعان الإنكليز بما جاء في هذا الكتاب من معلومات لتكوين أول صيدلية إنكليزية أعدتها كلية الطب في عهد جيمس الأول، وتقول الباحثة الألمانية زيغريد هونكه في كتابها (شمس العرب تسطع على الغرب) عن أهمية هذا الكتاب

“إن ابن البيطار من أعظم عباقرة العرب في علم النبات, فقد حوى كتابه الجامع كل علوم عصره وكان تحفة رائعة تنم عن عقل علمي حي، إذ لم يكتفِ بتمحيص ودرس وتدقيق 150 مرجعاً, بل انطلق يجوب العالم بحثاً عن النباتات الطبية فيراها بنفسه ويجري تجاربه عليها, إلى أن وصل به الأمر ليبتكر 300 دواء جديد من أصل 1400 دواء التي تضمنها كتابه, مع ذكر أسمائها وطرق استعمالها وما قد ينوب عنها، كل هذه عبارة عن شواهد تعرّفنا تماماً كيف كان يعمل رأس هذا الرجل العبقري”.

ونظراً إلى أهمية هذا المؤلف, فقد تُرجم إلى عدة لغات وكان يُدرَّس في معظم الجامعات الأوروبية حتى عصور متأخرة, ويوجد عديد من المخطوطات لهذا الكتاب موزعة في عدد من مكتبات العالم ومتاحفه.

التجربة خير برهان

لم يكتف ابن البيطار بخبرات ومعلومات من سبقه كما ذكرنا سابقاً، كما أنه لم يقتنع بفاعلية الملاحظة فقط، لذلك اعتمد التجربة كأساس لدراسة النبات والأعشاب ومعرفة تركيب الأدوية والعقاقير وكيفية استخلاصها من تلك النباتات والأعشاب, والوصول إلى التحقق منها وكيفية صحّتها وأهميتها لعلاج الأمراض، فقال في مقدمة كتابه (الجامع):

“..ما صحَّ عندي بالمشاهدة والنظر، وثبت لدي بالمخبر لا بالخبر أخذتُ به، وما كان مخالفاً في القوى والكيفية والمشاهدة الحسية والماهية للصواب نبذته ولم أعمل به..”.

ويعدّ ابن البيطار أول من أسس الصيدلة العربية على أسس علمية وتجريبية، ولم تقتصر جهوده على ذكر مئات الأدوية والعقاقير، وإضافة عشرات من الأصناف ذات الأصول النباتية والحيوانية والمعدنية التي لم تكن معروفة من قبل، بل أغنى المكتبة العربية والعالمية بالعديد من المؤلفات القيمة مثل:

  1. المغني في الأدوية المفردة.
  2. شرح أدوية كتاب ديسقوريدس وهو عبارة عن قاموس بالعربية والسريانية واليونانية والبربرية وشرح للأدوية النباتية والحيوانية.
  3. الإبانة والإعلام بما في المنهاج من الخلل والأوهام.
  4. مقالة في الليمون.
  5. الأفعال الغريبة والخواص العجيبة.
  6. ميزان الطبيب.
  7. رسالة في التداوي بالسموم.
  8. قانون الزمان في تقويم الأبدان.

كان ابن البيطار مثالاً للعالم الفذ، فإلى جانب علمه الغزير وبصيرته النافذة، امتلك أخلاقاً سامية، فيقول ابن أبي أصيبعة في هذا الخصوص:

“كان صاحب أخلاق سامية، ومروءة كاملة، وعلم غزير، وكان لابن البيطار قوة ذاكرة عجيبة وقد أعانته ذاكرته القوية على تصنيف الأدوية التي قرأ عنها، واستخلص من النباتات العقاقير المتنوعة فلم يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا طبقها، بعد تحقيقات طويلة..”.

شهيد علمه

مات ابن البيطار في دمشق بسوريا سنة 1248 وهو في التاسعة والأربعين من عمره, أثناء قيامه بأبحاثه وتجاربه على النباتات، حيث تسرب إليه السم أثناء اختباره لنبتة حاول صنع دواء منها, فكان شهيد علمه الذي منحه كل حياته بكل ما في الكلمة من معنى..

لقد أسهم ابن البيطار بشكل فاعل في تطور الحضارة البشرية من خلال براعته في علوم النبات والصيدلة والطب، وعلى مرّ السنين اعتمدت الوصفات الطبية التي دوَّنها في كتبه كأساس لعلم الصيدلة والعقاقير، بعد أن أثبتت نجاحاً عظيماً في الشرق والغرب، فأين نحن اليوم من هذا الإرث العظيم؟! وهل يحق لنا القول إننا أحفاد ابن البيطار وجابر بن حيّان, وابن سينا والكندي وغيرهم؟!