إنه غاندي.. فاحمل مغزلك واتبعه

من قال إن الجمر تحت الرماد يحرق دائماً؟!.. هنا.. جمر ثورة بيضاء.. ثورة ضد الظلم والظالمين.. نيرانها أصوات مطالبة بالحرية.. وقودها الإيمان بالحق.. وقائدها رجل صنع للمجد تاريخاً..!

إنه غاندي.. صاحب أهمّ ثورة سلمية في العالم.. رجل كان الحقّ طريقه واللاعنف وسيلته.. والحرّية ديدنه..

إعداد: آس غاله

أليس من الظلم أن يحاول أحد اليوم أن يورد سرداً تعريفياً عن المهاتما غاندي؟!.. إنه ذلك الطيف الذي بقي يحلّق في فضاءات الحرية على امتداد العالم المقهور.. يرشد المظلومين إلى طريق الخلاص.. يحثّهم على ثورة لا نار ولا دماء فيها..

القدّيس

هكذا إذاً خرج إلى النور رجل اسمه موهانداس كارامشاند غاندي، عام 1869 في بلدة بورباندر التي تعني “المدينة البيضاء” وتقع في ولاية صغيرة شمال غرب الهند، وهو ابن أسرة محافظة ميسورة الحال, وعلى مستوى عالٍ من الثقافة، وكانت أسرته تؤمن بفكرة عدم العنف بأي شكل من الأشكال، وهي الفكرة التي سار عليها غاندي طوال حياته..

وينتمي آل غاندي إلى طبقة (ألبانيا) إحدى الطبقات الاجتماعية في الهند، وكان جده يشغل منصب رئيس الوزراء في بورباندر، وعمل والده عضواً في محكمة راجستايك ثم رئيساً للوزراء في راجكوت، لذلك لم يكن العمل السياسي جديداً على غاندي.

لقّب غاندي بالمهاتما أي (صاحب النفس العظيمة أو القديس), وهو ما كان عليه بالفعل.. فقد آمن بقوّة الروح أكثر من الجسد والسلاح, فأمضى حياته بجسد هزيل ونفس سامية عظيمة..

شرارة الكفاح في أفريقيا

درس غاندي الحقوق في لندن, حيث سافر إليها في عام 1888م, ثمّ عاد إلى الهند ليبدأ ممارسة عمله بالمحاماة في محكمة بومباي العليا, إلّا أنه لم ينسجم مع هذه المهنة التي وجد أنها لا تقوده إلى طريق النجاح, فنقله إخفاقه من بومباي إلى راجكوت، حيث عمل كاتباً للعرائض، خاضعاً لقسوة المسؤولين البريطانيين, لذلك لم يتردد في قبول عرض للتعاقد معه لمدة عام، قدَّمته له مؤسسة هندية في ناتال جنوب إفريقيا, وهناك كان انطلاق الشرارة الأولى لكفاحه السلمي في مواجهة التفرقة العنصرية التي كادت أن تحرق جنوب أفريقيا..

بقي غاندي في جنوب أفريقيا حوالي 21 عاماً, وفي تلك الفترة كانت جنوب أفريقيا تحت نير الاستعمار البريطاني كما هي الهند, وكان فيها كثير من العمال الهنود الذين نالهم ظلم البريطانيين كما نال الأفارقة, الأمر الذي جعل غاندي يرفع راية الدفاع عن أبناء وطنه وأبناء جنوب أفريقيا المقهورين, فأنشأ صحيفة (الرأي الهندي) التي دعا من خلالها إلى سياسة المقاومة السلمية، وعمل على تأسيس حزب (المؤتمر الهندي لناتال) والذي جعله مركزاً للدفاع عن حقوق الهنود في جنوب أفريقيا، كما نادى بأحقية الهنود بالإدلاء بأصواتهم في الانتخابات، وعمل على تغيير (المرسوم الآسيوي) الذي كان ينصّ على أن الهنود يجب أن يقوموا بتسجيل أنفسهم في سجلات خاصة، وغيرها من الأمور التي تصبّ في صالح المواطن الهندي.

احمل مغزلك واتبعني

لطالما نادى غاندي باستعادة الحقوق عبر ثورة سلمية تنبذ العنف بأشكاله كافة, وتعتمد سياسة العصيان المدني والمقاطعة والاعتصام والإضراب عن الطعام.. وغيرها من وسائل الضغط السلمي التي يجب أن يكون المناضل مؤمناً بها إيماناً كاملاً حتى لو أدى ذلك إلى موته في سبيل قضيته.

وكان غاندي من خلال أسلوب اللاعنف الذي اتبعه يحاول إبراز ظلم المحتل وكسب الرأي العام في صفه، كل هذا كخطوة مبدئية للقضاء على العدو وإبعاده تماماً.

فقد وضّح غاندي أن سياسة اللاعنف لا تعني الجبن أو الخوف من المواجهة المباشرة مع العدو, بل على العكس فهي وسيلة لإظهار ظلم الطرف الآخر وأساليبه القهرية مع الفهم الكامل والإلمام بجميع أبعاد المشكلة والخطر المحيط، واللجوء إلى العنف في النهاية إذا لم يوجد سبيل آخر غيره.. وقد كان غاندي يؤمن أن (الامتناع عن المعاقبة لا يعدّ غفراناً إلا عندما تكون القدرة على المعاقبة قائمة فعلياً).

وقد استطاع غاندي توحيد الشعب الهندي تحت راية واحدة تسعى لنيل الحرّية والاستقلال على الرغم من كل الاختلافات الثقافية والمذهبية التي كانت تفرّق الهنود, فعمل كثيراً من أجل تحقيق العدل والحرية لأبناء شعبه من خلال إيجاد صلة بين كل من الحركة الوطنية والشعب، كما قام بإدخال المطالب الاقتصادية في البرامج الوطنية، ودعا إلى تعميم صناعة الغزل، ومقاطعة البضائع الإنجليزية, وأطلق شعاراً بات مبدأ كل أحرار العالم في مختلف بقاع الأرض لما يحمل من معانٍ للحرية, فكان يقول (احمل مغزلك واتبعني) داعياً بذلك كل ساعٍ إلى الحرية لأن يصنع رداءه بيديه وهذا ما فعله بنفسه, فقد كان يغزل لباسه البسيط بيديه.

ثورة على الظلم

تحدّى غاندي قوانين الاستعمار البريطاني الذي كان يحتكر الملح ويحصر استخراجه في السلطات البريطانية, ولم يكتفِ بالاعتراض والتحدي بل قام بقيادة مسيرة شعبية لاستخراج الملح من البحر، اضطرت على إثرها سلطات الاستعمار إلى عقد اتفاق مع الهنود عرف (بمعاهدة دلهي) وكان ذلك في عام 1931.

وفي عام 1932 اتخذ غاندي قراراً بصيام حتى الموت احتجاجاً على مشروع يقوم بالتمييز في الانتخابات ضد المنبوذين من الهنود، وهو الأمر الذي دعا الزعماء السياسيين والدينين للتدخل من أجل إلغاء نظام التمييز الانتخابي عبر (اتفاقية بونا).

أما عام 1940 فشهد حملة عصيان جديدة قادها غاندي كنوع من الاحتجاج على إعلان بريطانيا الهندَ كدولة محاربة ضدّ دول المحور دون حصول الهند على استقلالها, ونظراً لانشغال بريطانيا بالحرب العالمية الثانية فقد كانت مهتمة باستتباب الأمن في الهند من أجل التفرغ لحروبها، وقد وافق غاندي بريطانيا في النهاية على مشاركة الهند في الحرب أملاً في نيلها الاستقلال في النهاية، وبالفعل دخلت الهند الحرب ضد دول المحور في عام 1943، ومارست بريطانيا بعد ذلك حملات شديدة من القمع والقهر ضد الشعب الهندي وعلى رأسهم غاندي الذي تم سجنه لفترة، وعندما لاحت في الأفق بوادر الاستقلال بدأت محاولات من أجل تقسيم الهند ما بين هندوس ومسلمين, فسعى غاندي إلى الحيلولة دون حدوث هذا الانفصال ولكن باءت محاولاته بالفشل وتم الانفصال الذي نتج عنه تدهور حاد وأحداث عنف في أنحاء البلاد, مما أحزن غاندي كثيراً..

وقد تحقق الاستقلال للهند أخيراً في عام 1947، بعد مقاومة شعبية ونضال قاده غاندي بقوة مع غيره من الهنود.

مؤلفات

قدّم غاندي كتاب (قصة تجاربي مع الحقيقة) وهو كتاب سرد فيه غاندي قصة حياته بجميع ما مرّ فيه من مواقف وأحداث.

كما صدر العديد من المؤلفات التي تتناول السيرة الذاتية لغاندي وقصة كفاحه والإمبراطورية التي كوّنها, منها (موهنداس) لراجموهان غاندي، و(روح عظيم ـ المهاتما غاندي) لمحمود عباس العقاد.

شهيد الحرّية

تجاوز غاندي في عشقه للحرية حدود الهند, فطالب بها باسم كل الشعوب المظلومة, ومن هنا جاء رأيه بقضية فلسطين, حيث نقل عنه قوله: (أنا لا أستسيغ المطالبة بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين, ففلسطين ملك للعرب, تماماً كما أن إنجلترا ملك للإنجليز وفرنسا للفرنسيين، إن فلسطين التي جاء ذكرها في التوراة ليست في الأرض الجغرافية، بل هي في قلوبهم وليس هناك ما يمكن أن يقال ضدّ مقاومة العرب في مواجهة عقبات لا قبل لهم بها).

ولأنّه جعل السلام هدف حياته, ودافع عن حقوق الأقلّية المسلمة في الهند داعياً الهندوس إلى احترام حقوق المسلمين, اعتبره المتعصّبون خائناً, فاختاروا اليوم الثلاثين من شهر يناير 1948م, ليكون اليوم الذي يسكتون فيه صوت الحرّية, معتقدين أنهم باغتياله سيغتالون هذا الصوت.. لكنّهم لم يكونوا يعرفون أنهم باغتياله صنعوا للحرية والسلام اسماً آخر هو (غاندي)..