أنا و”كيـمياء الحياة”

يُحكى أنّ أحد علماء الكيمياء القدامى كان يبتكر أنواعاً جديدة من الأصباغ، وكان حريصاً على أن تبقى تجاربه سرّية كعادة العلماء حتى لا يسبقه أحد إلى معرفتها، فلم يتّخذ لنفسه مساعداً. وعندما تقدّمت به السّنّ أشارت عليه زوجته أن يتّخذ أحد تلاميذه مساعداً له، فوافق على الاستعانة بأحدهم، وبدأ الشاب في مساعدة العالم الكبير.

وذات يوم أراد العالم أن يختبر أمانة تلميذه، فأعطاه مظروفاً كبيراً وقال له: “يا بني.. داخل هذا الظرف أسرار خطيرة لم يتوصل إليها أحد سواي، وأريدك أن تحملها إلى صديقي العالم في منطقة الجنوب، ولا تجعل أحداً غيره يفتح الظرف”.

انطلق مساعد الكيميائي نحو الجنوب، وفي الطريق أخذ يحدث نفسه: (ترى ما هي الأسرار التي داخل الظرف؟ إنّ من حقّي أن أعرفها!).

وفتح الشاب الظرف فطارت منه ريشة ملوّنة، أخذ ينظر إليها في دهشة، حتى اختفت عن نظره في مكان بعيد فوق الجبل، ثم دسّ يده في الظرف فوجد فيه قصاصة ورق مكتوباً عليها: “إذا وصلتك رسالتي وبها ريشة ملوّنة بأصباغ كيميائية خاصة، فأعطِ مساعدي الثلاثين ألف درهم التي عندك”.

حار الشاب ماذا يفعل وقد أخذت العواصف الريشة الملوّنة إلى مكان سحيق، فأخذ يبكي ولم يكن أمامه إلّا العودة إلى العالم الذي قال له: “كيف رجعت بهذه السرعة يا بني؟!”.

ردّ الشاب: “أنا لم أذهب يا سيدي.. لقد فتحت الظرف لأعرف ما فيه من أسرار”.

فقال له العالم بسخرية: “وهل عرفتها الآن؟ لقد نويت أن أعطيك الثلاثين ألف درهم مقابل أمانتك، ولكنك أخفقت في أول امتحان.. اذهب فلا حاجة لي بك!”.

من هذه الحكاية القديمة تعلّمت أوّل درس في علم الكيمياء، وفي “كيمياء الحياة” عامّة. إنّ مهنتي أنا الكيميائي تقوم أساساً على السّرّية والأمانة في المقام الأوّل، فضلاً عن الشجاعة، فما لا يعرفه الكثيرون أنّ لفظة “الكيمياء” كلمة عربية مأخوذة من (الكَمِيّ) وهو الشجاع، و(المُتَكَمِّي) في سلاحه أي المتغطّي المتستِّر بالدرع، وسُمِّيت كذلك لأنّ الكيميائيين القدماء كانوا يحتفظون بمعلوماتهم سرّيّة عن الآخرين، لأنّه لم يكن علماً متاحاً للعامّة من الناس، بل كان علم الخاصة.

و”الكيمياء” تعني العلم الذي يدرس المادة وتفاعلاتها وعلاقاتها بالطاقة. ونظراً لتعدّد واختلاف حالات المادة، والتي عادة ما تكون في شكل ذرّات، فإنّ الكيميائيين أمثالي غالباً ما يقومون بدراسة كيفية تفاعل الذّرّات لتكوين الجزيئات، وكيفية تفاعل الجزيئات مع بعضها بعض.

 

متعة الكيمياء

تخرجت في كلية العلوم قسم الكيمياء بدرجة “جيد” أهّلتني للعمل في شركة كبرى لصناعة البتروكيماويات. وكان مثلي الأعلى ومازال الدكتور أحمد زويل، الأستاذ في “معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا” بالولايات المتحدة، والعالم العربي الفذّ الحاصل على جائزة “نوبل” في الكيمياء.

كنت أعشق الكيمياء منذ صغري، إلى حدّ أنّني فكّرت في إنشاء معمل منزلي، ولكن أمّي نهرتني عندما شرعت في إقامة معملي الخاص، بحجّة أنّني قد أتسبّب في حدوث انفجار يهدم المنزل فوق رؤوسنا. ومازلت حتى الآن أتذكّر نفور زميلات الدراسة الجامعية طالبات الكليات النظرية وابتعادهنّ عنّا، نحن طلبة الكيمياء، حينما نخرج من المعامل معطرين بسلفيد الهيدروجين!

إنّ متعة الكيمياء تجعل لها قالباً خاصّاً تخترق به قلوب دارسيها، فتجعلهم يحبّونها، ومع مرور الوقت يتحوّل هذا الحب إلى عشق أبديّ يجري في دم كلّ كيميائي. فقد علّمتني التجارب الصبر والتحمل للوصول إلى أفضل النتائج، وعلّمني التعامل مع النِّسب والكمّيات الدقّةَ والانضباط، علّمتني الكيمياء أنّ هناك ما يسمى “كيمياء السعادة” التي تنبع من داخلنا فتضفي على جوهرنا لمسة من الرضى.

وبعيداً عن هذا العشق الرومانسي، فإنّ عملي في الشركة الآن هو معرفة لماذا وكيف يحدث التفاعل الكيميائي، وتحديد ضرورة ردّ الفعل لعمل المادة الكيماوية وميكانيكية حدوثها، عن طريق تصميم مقاييس صغيرة لاختبار ردود الفعل الكيميائية. أو بتعبير آخر كشف خبايا التفاعلات الكيميائية عن طريق إجراء البحوث والدراسات في المعمل والحصول على النتائج المتعلقة بالتفاعل من حيث النواتج وطبيعتها الكيميائية.

 

في قفص الاتهام

تمرّ أمام ذاكرتي في بعض الأحيان صورة الزملاء الذين قضى بعضهم نحبه في المعامل، بسبب استنشاق تلك الأبخرة السامة، وأشفق على نفسي أحياناً من تجلّط شرايين قلبي جراء التعامل مع أكاسيد النتروجين والبحث في مشتقّاتها، وعلى الرغم من تلك الأخطار الجسام يجد الكيميائيون أنفسهم في “قفص الاتهام”، عندما يحمّلهم العالم مسؤولية تلوث كوكب الأرض وفضاءاته بما أنتجوه من مركّبات ومتفجّرات.

والمطلوب من الكيميائيين الآن هو إعادة النظر في طرقهم المعملية، ليعدّلوها بحيث توائم طرق الطبيعة في إنتاج موادّها، فتفرز عبقريتهم كيمياء جديدة هي “الكيمياء الخضراء”، وهي في رأيي نوع من جلد الذات وعقاب للكيميائيين العصريين وإدانة لأسلافهم القدامى.

فعلينا نحن الكيميائيين المبادرة بتطوير تصاميمنا المعملية وطرق تحضيرنا واستخدامنا للمنتجات الكيميائية، بحيث لا تضرّ بصحة البشر، وتحافظ على بيئة سليمة، عن طريق عدّة أشياء أوّلها استحداث طرق للتحضير لا تعطي إلّا النافع من النواتج، وعلينا استخدام القليل والقليل من الطاقة، وبهذا يحمّلوننا مسؤولية الحفاظ على الطاقة أيضاً، ثمّ إنّ علينا توظيف محفّزات لتفاعلاتنا تسمح باستخدام مواد عامة وآمنة، وعلينا تجنّب استخدام المذيبات العضوية أو التقليل منها ما أمكن ذلك.. باختصار علينا أن نعيد كل ما أنتجناه في الماضي “بطريقة خضراء”، فما أصعبها من مهمّة على كيميائيي المستقبل.

ورغم كل شيء، مازالت الكيمياء هي العلم المركزي في نظر الكثيرين، فهي العلم الذي يختصّ بالمواد وتركيبها وبنيتها وخواصّها وتفاعلاتها، ويساعد على شرح العالم المادّي من حولنا، إلى جانب أنّه يلعب دوراً مهماً في حياتنا. فقد ساهم علماء الكيمياء بشكل كبير في التطورات التكنولوجية للمجتمعات، وقدموا إسهامات كثيرة في تشكيل الحياة العصرية، فكل شيء مركّب من عنصر كيميائي أو أكثر موجود في الطبيعة، ويقوم علماء الكيمياء بعمليات عدّة لتحويل العناصر إلى موادّ أسهل استخداماً، كما يقدّمون منتجات لا حصر لها جعلت حياتنا أكثر صحّة وسهولة وإمتاعاً.