أضعف خلق الله أركانا

شرف المهنة تعبير ثقيل يقف في الباب دائماً, يسلبنا حق الخروج عن النص, يجعلنا حبيسي غرفة مبنية من الأنظمة والقوانين, كل كلمة وكل تعبير وكل نفس يخرج منا يجب أن يخضع للرقابة والتدقيق والتمحيص, غرفة باردة داكنة.. وبالرغم من برودة جدرانها إلا أن نافذة مفتوحة مطلة على العالم ما تزال مفتوحة, تأتي لنا ببعض الحرية وتبقي لنا المجال مفتوحاً, لنطلق ما يجول في أذهاننا كلماتٍ تصطدم بالجبال الهرمة التي لا تملك إلا أن تردد ما تسمعه من كلمات.

بقلم: مصطفى جندي عن لسان الطبيب سليمان

اليوم أطل برأسي من هذه النافذة الصغيرة, أخلع عن نفسي لباس الوقار, أريد أن أتحدث عن ما يجول في خاطري بعيداً عن أعين الرقابة, أريد أن أتكلم بلساني, أنا الإنسان بعيداً عن رائحة المخدّر ولمعان شفرات الجراحة.

قدري أن أعيش في دنياها, أن تكون هي بيتي وسبيل رزقي, أن أهتم بها, أن أحرص عليها, لقد ألقت بسحرها علي فصرت أسير حسنها, لأنضمّ إلى قافلة غير منتهية من المسحورين, ذلك السحر الذي لن تبطل مفعوله التعاويذ والتراتيل الأسطورية, ولن تجدي معه نفعاً حيل المشعوذين والعرافات..

لقد سحرتني بكل أشكالها وألوانها, كبيرة كانت أم صغيرة, سوداء أم خضراء أم بلون التراب, من خلالها شعرت للمرة الأولى بوجودي, وإذ رأيتها في وجه والدتي شعرت بذلك الحنان الكبير, في كل تجربة جديدة معها أكتشف فيها سراً جديداً, وجمالاً أخاذاً يذهب بالألباب, جمالاً يذكرني بقدرة الخالق وكيف وضع قوته في أضعف خلقه!..

كان لها الحيز الكبير في قواميس اللغة, فتعددت أسماؤها وتعددت أوصافها, فهي الناعسة والمخدرة والثعلبية والغائرة والنمرية وغيرها كثير, تغنى بها الشعراء, وسهر على ذكراها العشاق والمحبون, ووقع الفرسان في حبال هواها, وتاهت في سبيل رضاها كتائب من المغامرين, إنها التي تصرع ذا اللب وتقتل ثم لا تحيي القتيل, إنها من وقعتُ في حبها كما وقعتَ يا من تقرأ هذه السطور.

أنا لست بشاعر حتى أكتب فيها دواوين شعر ولا رساماً فأبدع فيها آلاف اللوحات, لكني وبكل فخر أقول بأني الأقرب إليها دائماً, والأكثر تعمقاً فيها.

منذ الصغر كان حلم ارتداء المريول الأبيض يراودني, وكلما رقص السنونو رقصة وداع موسم الشمس وقد حزم ذكرياته استعداداً للرحيل معلناً بداية عام دراسي جديد, أدرك أني كبرت عاماً وأن حلمي كبر بدوره أعواماً, كنت أرى مستقبلي كأبي, طبيباً محبوباً يخفف الآلام عن الأجساد, ويحيي الأمل في النفوس ويعيد البسمة إلى الشفاه, لم أكن أعي حينها ما معنى الاختصاص, كان كل ما يشغل بالي هو أن أصبح طبيباً, عشقت اللون الأبيض الذي كان يرتديه أبي, وكان لعابي يسيل لدى رؤية سماعات النبض, وبالفعل أصبحت طبيباً لكن في اختصاصي ليس للسماعات ذلك الدور الكبير, فليس من داع لنسمع دقات القلب كي نكشف مرض العين.

ما زال صدى دعوات العجائز لأبي بالتوفيق وسعة الرزق يتردد في أذني, في هذه العيادة البسيطة بدأ عشقي لهذه المهنة لما تحمله من جوانب إنسانية أهملها كثيرون اليوم, فتحول الطب إلى نبع للمال, ينبع من جيوب الناس بمختلف مستوياتهم ليصب في جيوب الأطباء..

كان أبي المثال الأول بالنسبة إلي, أردت أن أكون مثله, أردت أن أحظى بمحبة الناس كما حظي بها, أردته أن يفرح ويفخر بي, لكن مشيئة الله جل في علاه أبت لي ذلك, فقد توفي أبي نتيجة مرض السرطان وأقفلت العيادة, لقد كان لوفاته كبير الأثر في نفسي وأنا ما زلت في سنتي الأولى في كلية الطب, كم تمنيت لو كان معي خلال تلك المرحلة, وكم تمنيت لو كان بين صفوف الحاضرين لحفل التخرج.

دخلت كلية الطب, ولن أقول إن حياتي الجامعية كانت مليئة بالترفيه والنشاطات والمرح, بل على العكس فالحياة الجامعية لطالب الطب البشري يجب أن تكون للدراسة فقط ولا شيء سوى الدراسة, هذا إذا ما أراد أن يكون طبيباً ذا شأن, ست سنوات هي عدد سنوات دراسة الطب قضيتها ما بين الكتب والمخابر والمشافي بجميع أقسامها, تعرضت لكثير من المواقف الغريبة, ولعل الدخول إلى مشرحة المشفى كانت تجربة أكثر من جديدة, ومن المستهجن أن أصفها بالرائعة, حملت في دقائقها كثيراً من الإثارة الممزوجة بجو من الرهبة.

أنهيت السنوات الست لأبدأ مرحلة جديدة من مراحل الدراسة, وهي مرحلة الاختصاص ووقع اختياري على اختصاص طب العيون, ولا أدري لماذا اخترت هذا الاختصاص بالذات مع أن معدلي كان يسمح لي بدراسة اختصاص أكثر أهمية كالجراحة, ربما كان حزني على كل ذات رمش أدماها السهر, أو شاب بياضها شائبة, قد يكون حبي لأن تبقى الحوراء حوراء, وأن يستمتع الطفل برؤية ألعابه, وأن تقر عين الأم لرؤية أبنائها يكبرون أمامها, وأن يسعد الجد برؤية أحفاده يتقافزون من حوله.. نعم أن ترى الجدة أحفادها, هذا الأمر الذي كان يحز في نفس جدتي, وهي التي لم تكن تستطيع أن تتعرف علي إلا من خلال صوتي, فقد كانت مصابة بمرض الماء الزرقاء, رحم الله جدتي كم كان بودي أن يمد الله بعمرها فأداويها, وأرد لها شيئاً من معروفها الذي سكبته حناناً علي أيام طفولتي.

تخرجت من كلية الطب برتبة طبيب عيون, رتبة دفعت في سبيل الحصول عليها ما دفعت, وحان وقت الحصاد, لم يكن المال هو المحصول الذي أسعى خلفه, كان أجري هو نور يرجع إلى عين فيفرح قلبٌ وتضيء أمام أحدهم الحياة.

رجعت إلى عيادة أبي, فتحت أبوابها, سمحت للنسيم أن يلعب بستائرها, وللنور أن يطرد الحزن القديم الذي عشّش في المكان, نفضت الغبار عن الذكريات الجميلة, ما زالت رائحة أبي تعبق في أرجاء العيادة العتيقة, وكأني أراه سعيداً إذ دبت الحياة من جديد في المكان الذي طالما أحبّه.

أجريت بعض التعديلات على العيادة بما يتلاءم واختصاصي الجديد, وأحضرت بعض الأدوات والأجهزة التي أحتاجها والتي تتماشى وإمكانياتي المحدودة, وكلنا يعلم كم هو مرتفع سعر الأجهزة الطبية التي تستعمل في طب العيون.

استقبلت أول مرضاي, حاولت حينها أن أتقمص شخصية أبي, حاولت أن أقلد حركاته, طريقة ابتسامته, أن أسترجع بعضاً من عباراته, لكني لم أستطع, وعلمت أنّ علي أن أكون (أنا), أن يكون لي هويتي الخاصة وطريقتي الخاصة, وهكذا بدأت مسيرتي المهنية الحقيقية.

لا أستطيع أن أحدد عدد المرضى الذين زاروا عيادتي حتى الآن, لكني أستطيع أن أجزم أنهم كثر, كثيرون تحسنت حالتهم وهذا بتوفيق من الله, وبعض منهم لم أفلح في علاجهم, إما لخطأ في التشخيص أو تقدم في الحالة لدرجة يستحيل معها الشفاء, ومع ذلك أشعر براحة نفسية إذ أنني قدمت كل ما أقدر ووضعت كل معارفي وخبراتي في سبيل أن أداوي من أتى ساعياً إلي.

سنوات مرت, وفي كل يوم جديد أشعر بأني بحاجة إلى مزيد من الخبرة, فكلما تعمقت في هذا الجزء الرقيق من الجسم استنتجت مدى جهلي, وتيقنت من أن أمامي الشيء الكثير كي أتعلمه, وأن هناك بحراً من الأسرار ينتظر من يسبر أغواره.

إنها العين, إحدى أعظم النعم التي أنعم الله تعالى بها علينا, وحريّ بنا أن نهتم بها وبصحتها, فليس هناك أقسى من أن تسمع صوت الربيع وتشم رائحته ولا تراه.