أحكم الفلاسفة.. أفسد العقول بالحكمة فقتلته أفكاره

يقال إنّ الفلسفة هي أمّ العلوم، ولسبب ما كانت اليونان القديمة موطن أعظم فلاسفة العالم، الذين تركوا لنا تراثاً فريداً من المعرفة، وفتحوا الأبواب أمام العقول لتفكّر بكلّ ما في الطبيعة والحياة، وحتّى فيما وراء الطبيعة، ووضعوا قوانين المنطق والأخلاق، لتصبح منهاجاً تسير عليه الأجيال المتلاحقة، حتّى يومنا هذا.

إعداد: آس غاله

ومن الغريب أن أشهر الفلاسفة وأحد مؤسسي علم الفلسفة (سقراط)، لم يترك وراءه أيّ كتابات يمكن الاستدلال بها، وإنّما ما عرف عنه وعن علمه وفلسفته تمّ تناقله عبر تلامذته وكتاباتهم ورواياتهم حوله.

وقد أصبح اسم هذا الفيلسوف مرادفاً للحكمة، حتّى إنّه بات نعتاً بحدّ ذاته، يستخدمه الناس للإشارة إلى حكمة شخص ما.

إلّا أنّ ذلك لم يمنع 500 قاضٍ من الاجتماع في صبيحة أحد أيام الربيع من عام 1399 قبل الميلاد، لكي يضعوا مصير هذا الحكيم في صندوق، يعلنون من خلاله قرارهم بإعدامه، لأنّه كما ادّعى عليه أحد مواطني أثينا واسمه ميليتوس، كان (يكفر بآلهة المدينة ويفسد عقول الشباب)!.

ذبابة الخيل

ولد سقراط قبل الميلاد بأربعة قرون ونصف، وعاش في الفترة الانتقالية بين ازدهار الحكم الأثيني وانهياره أمام الإسبارطيين وحلفائهم في معركة البلوبونيز. وفيما سعت “أثينا” وراء الاستقرار واستعادة مكانتها بعد الهزيمة المخزية التي لحقت بها، دار الكثير من الشكوك بفعالية (الديمقراطية) كأسلوب للحكم، ورغم أنّ سقراط كان عضواً في مجلس الشيوخ اليوناني، إلّا أنّه كان من أبرز المنتقدين للديمقراطية، الأمر الذي دفع تلاميذه فيما بعد لاعتبار المحاكمة التي عقدت له، تعبيراً عن صراع سياسي محتدم.

وقد وصفه أفلاطون -أبرز تلامذة سقراط وأكثرهم رواية لأخباره- بأنّه يشبه (ذبابة الخيل) التي تستمرّ في الحركة حتّى تدفع الحصان للتصرّف بطريقة ما. إذ كان سقراط شديد الانتقاد للسياسات الأثينية، رافضاً مبدأ (القوة تصنع العدل) الذي كان سائداً كشعار آنذاك، وعلى الرغم من ادعائه تحدّي الموت في سبيل أثينا، إلّا أنّه لم يستطع البقاء صامتاً على ما كان يلمسه من تجاوزات أخلاقية في المجتمع الأثيني، إذ إنّ سياسات هذا المجتمع تعارضت مع سعيه نحو الفضيلة والتزامه بالحقيقة، ولم يخفِ إعجابه بإسبارطة أقوى منافسيّ أثينا، وإنّما أثنى عليها في حوارات عديدة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

وقد أقلق حكّام أثينا بكثرة إلحاحه على نشر الخير والعدل، ومحاولته تغيير المفهوم الأثيني السائد حول العدل، حتّى اعتبرت مواقفه هذه من الأسباب الحقيقية لمحاكمته.

سقراط الحافي.. سقراط المعلّم

كان معروفاً عن سقراط أنّه لا يكتب علومه وفلسفته، وإنّما كان يسير بين مجموعة من الشباب في شوارع أثينا، حافي القدمين، وبملابس رثّة، ويناقشهم في الفلسفة، واعتقد الكثيرون أنّه كان يتقاضى أجوراً مقابل تعليم هؤلاء الشبّان، إلّا أنّ سقراط أنكر ذلك بشدّة، مستدلّاً بفقره على أنّه ليس مدرّساً. فهو كان يؤمن بالفلسفة كأسلوب حياة، ويرفض بيع فكره، فهو قلّما اهتمّ بالمادّيات، الأمر الذي جعله غامضاً أحياناً، ومثار سخرية في أحيان أخرى.

ولم يكن معروفاً من أين يكسب رزقه، إلّا أنّ         تيمون فليوسي ذكر أنّ سقراط امتهن نحت الصخور كما فعل والده، وساد اعتقاد في السابق أنّ سقراط نحت تماثيل ربّات القدر الثلاث التي ظلّت موجودة بالقرب من معبد “أكروبوليس” حتى القرن الثاني بعد الميلاد، إلّا أنّ ذلك لم يثبت علمياً.

كما أشار العديد من حوارات أفلاطون إلى مشاركة سقراط ضمن الجيش الأثيني في ثلاث معارك كبيرة هي بوتيديا وأمفبوليس وديليوم، التي برز فيها كمحارب عتيد وشجاع.

حكيم.. أم غير حكيم؟!

(حكيم أم غير حكيم؟!) هل يستطيع الإنسان العادي تقييم حكمته؟!.. من الغريب أنّ من يعدّ أحكم الفلاسفة، اعتبر نفسه غير حكيم على الإطلاق، ولكي يثبت ذلك سار بين الأشخاص الذين يعدّهم الأثينيّون حكماء، وهم الساسة ورجال الدولة والشعراء والصنّاع المهرة، وبعد العديد من الحوارات معهم، اكتشف سقراط أنّ هؤلاء الذين يدّعون الحكمة جهاراً ويتفاخرون بها، هم في الواقع عديمو الحكمة، ولا يمتلكون منها شيئاً، وبذلك استنتج سقراط أنّه أكثر الأشخاص حكمة في أثينا لأنّه كان عالماً بجهله!.

وقد اتبع هذا الفيلسوف الحكيم منهج الجدل والحوار الذي دعي لاحقاً بالمنهج السقراطي، وقد قام سقراط بتطبيقه في دراسة مفاهيم أخلاقية أساسية مثل الخير والعدالة. وكان أفلاطون أوّل من وصف المنهج السقراطي في “الحوارات السقراطية”. فلحلّ مشكلة ما، قد يتمّ تحليلها إلى مجموعة من الأسئلة التي تعمل إجاباتها تدريجياً على الوصول إلى الحلّ المنشود، ويتجلّى تأثير هذا المنهج بشدّة اليوم في استخدام المنهج العلمي الذي لا تكون مرحلة الافتراض أوّل مراحله، ويعدّ تطوير هذا المنهج وتوظيفه من أبرز إسهامات سقراط التي ما زالت قائمة حتّى هذا التاريخ.

والمنهج السقراطي هو منهج قائم على التخلّص من الافتراضات، ويكون بالعثور على الافتراضات الجيّدة عن طريق تحديد الافتراضات غير الجيّدة التي تؤدّي إلى التناقضات ثمّ التخلّص منها.

وقد تمّ تصميم هذا المنهج بحيث يجبر المرء على مراجعة معتقداته وتحديد مدى صحّتها. ويعدّ سقراط مؤسّس الفلسفة السياسية أو علم الأخلاق.

وقد كانت الفضيلة هاجسه الأساسي، وكان يعتقد أنّ أفضل طريقة يحيا بها البشر هي أن يركّزوا على تطوير الذات بدلاً من السعي وراء الثروة المادية، وكثيراً ما دعا الآخرين لمحاولة التركيز على الصداقات وعلى الإحساس بالمجتمع الحقيقي، لأنّه اقتنع بأنّ هذه هي الطريقة المثلى لكي ينمو البشر كمجموعة.

وقد كانت فكرة أنّ البشر يمتلكون فضائل معينة تشكّل ميزة مشتركة في كلّ تعاليمه، حيث تمثّل هذه الفضائل السمات التي يجب أن يحظى بها كل إنسان، وعلى رأسها الفضائل الفلسفية أو العقلية.

وقد أكّد سقراط على أنّ “الفضيلة هي أثمن قيمة يمتلكها الإنسان، والحياة المثالية هي تلك الحياة التي تنقضي في البحث عن الخير، وتكمن الحقيقة وراء ظلال الوجود، ومهمة الفيلسوف هي أن يوضّح للآخرين مدى ضآلة ما يعرفون بالفعل”.

أوّل من قتلته أفكاره

شهد التاريخ القديم عشرات المحاكمات الظالمة لأشخاص مازال ذكرهم قائماً حتّى هذا اليوم، وانعكست محاكماتهم سلباً على خصومهم، لأنّها أثبتت عظمة هؤلاء الأشخاص ومقاومتهم للظلم، وأحقّية قضاياهم. ومن أبرزهم القدّيسة الفرنسية جان دارك، والعالم الإيطالي غاليليو غاليليه، وسقراط الذي سبقهما بقرون ليكون أوّل من أعدم في التاريخ لأفكاره.

كان يردّد على مسامع محاوريه أنّ حقيقة إلهية تدفعه للتصرّف وأنّ هذه الحقيقة ما هي إلّا ضميره القابع في أعماق نفسه. وهذه الأفكار كانت من الأسباب التي أوصلته إلى المحاكمة وهو ابن سبعين عاماً، بتهمة الإلحاد بآلهة أثينا، فقد كانت أفكاره مزعجة لكلّ من السلطات والآباء الذين أخذ أبناؤهم يخرجون عن سلطتهم ويتبعون المعلّم سقراط.

وقبل أن يحكم عليه القضاة بالإعدام قال سقراط: “لن أرفض فلسفتي إلى أن ألفظ النفس الأخير”.. وهذا ما حدث بالفعل، فقد حكم عليه بتجرّع السمّ المستخلص من نبات الشوكران، ونفّذ الحكم بعد شهر من صدوره، ورغم أنّ تلميذه المخلص كريتون حاول إقناعه بالهرب من السجن، إلّا أنّه رفض ذلك لقناعته بوجوب احترام العدالة وقوانينها، حتى ولو كانت هذه القوانين جائرة!.

يوم تنفيذ الحكم بقي تلامذة الفيلسوف إلى جانبه حتّى اللحظة الأخيرة، وقد منعهم من البكاء واستمرّ في محاورتهم والنقاش معهم في أمور الفنّ والروح والموت حتّى استسلم لجريان السمّ في عروقه، ثمّ أسلم الروح دون أن يسلم العقل، إذ إنّ إصراره على أفكاره رغم الحكم عليه بالإعدام مازال إلهاماً لأصحاب الأفكار المتفرّدة وغير التقليدية حتّى هذه اللحظة.